المصداقية في السياسة والحكم – اليوم 24

المصداقية في السياسة والحكم

  • في النضال الأسْلَم والراتب الأدْسَم

  • الدفاع عن حقوق المغاربة أم عن حلاوة السلطة؟

تشير كلمة «المصداقية (La Crédibilité)»، في تداولها السياسي العام، إلى مدى التزام قادة الدول، والأحزاب، أو المرشحين لتولية الحكم في بلدانهم، بتعهداتهم ووعودهم المقدمة لناخبيهم وشعوبهم أولا، وللمتعاملين معهم دوليا، ثانيا. ويسمح هذا الالتزام للشعوب بتقديم ثقتهم لقاداتهم ومساندة خططهم على الأرض، ويكشف من جانب آخر أخلاق الحكام ومراتبها، وقيم الاحترام المتبادلة بينهم والساكنة، بدل الخوف والمكر والتحايل المكيافيلي، والاضطرار إلى ممارسة أخلاق التزلف والنفاق؛ فتختلط الألوان ويغيب الصفاء.

وحين يفقد القادة مصداقيتهم يفقد المجتمع السياسي توازنه، ويفقد الحكم نزاهته، وتتدعدع قيم المجتمع؛ فيسود المكر والنصب بين الرؤساء ومرؤوسيهم، وبين الذين يزعمون أن موقعهم فوق الجميع والذين يَقنعون، أو يُقنعون، بأن نصيبهم في الحياة يوجد أسفل السلم.

وحينما نتأمل تفاعلات الشعوب مع وعود رؤسائها، سواء أثناء حملاتهم الانتخابية، أو أثناء ممارسة سلطاتهم على الأرض، المخولة لهم بالقانون، ندرك أن مجتمعات كثيرة تحققت لديها مصداقية ما تم الوعد به من قبل رؤسائها وقادتها. وعلى عكس ذلك، نجد شعوبا تتناقص لديها نسبة مصداقية رؤسائها وقادة أحزابها ونقابييها إلى الحد الأدنى، بسبب عدم التزامهم بما وعدوهم به. غير أن ما يؤسف له أكثر حين نعرف أن دولا وطنية، بدل أن تعمل على تأكيد مصداقية شعاراتها أمام شعوبها، راحت تكتب «شهادة حسن السيرة والسلوك» للدول الاستعمارية السابقة، واعتبار ربط المسؤولية بالمحاسبة مضيعة لجهود الدولة في التنمية الحقيقية.

ونتابع اليوم، نموذجا عمليا لدفاع رئيس دولة عن وعوده لناخبيه بشراسة. ويتعلق الأمر بالرئيس ترامب. فقد وعد ناخبيه بأن يأخذ الأموال من حكام الخليج مقابل الحماية التي تقدمها لهم أمريكا، لكي يحتفظوا بالسلطة على شعوبهم، ووعد الأمريكيين بجلب أموال بمئات المليارات من الخليج، ففعل.

وأعلن، ويعلن لناخبيه باستمرار، أن مصالح بلده، وأمنه القومي، فوق كل شعارات حقوق الإنسان، وقد التزم بذلك. كما التزم بأن أمن إسرائيل وتفوقها على كل دول الشرق الأوسط هي من أولويات عهدته، وكان وفيا لالتزامه، بما في ذلك نقل سفارته  إلى القدس الذي قطعه لإسرائيل.

ووعد بأنه سيبني جدارا فاصلا بين بلده والمكسيك، فقرر تنفيذ وعده لناخبيه رغم المعارضة الشديدة من الكونغرس، إلخ.. ونتيجة لذلك، يعتقد الكثير بأن غالبية الناخبين الأمريكيين سيعيدون انتخاب ترامب سنة 2020، بسبب مصداقية وعوده.

وفي الجهة المقابلة، وكمثال فقط، نرى أن الرئيس الجزائري، بوتفليقة، كان قد وعد ناخبيه في شهر مارس 2014، أنه في «حالة إعادة انتخابه لعهدة جديدة رابعة لرئاسة الجمهورية، سيعمل على تحقيق نموذج جيد للحكامة، وإنه يعتزم إجراء ذلك في غضون السنة الأولى لإعادة انتخابه، قبل أن يؤكد «أن هذا المسعى يهدف إلى الاستجابة لتطلعات الشباب إلى استلام المشعل»، وفقا لما نشرته وكالة الأنباء الجزائرية حينذاك.

بعد 5 سنوات تقدم بوتفليقة بترشحه مجددا لرئاسة الجمهورية، دون أن يكون قد نفذ وعوده، فخرج جزائريون بأعداد كبيرة جدا رافضين ترشحه، خاصة بعدما قدم لهم وعودا مشابهة للوعود السابقة في حالة فوزه بالرئاسة مرة أخرى، قبل أن يضيف أن إصلاحات سياسية ومؤسساتية واقتصادية واجتماعية تهدف إلى ميلاد جمهورية جديدة ستقودها أجيال جديدة.

لكن، عندما تفقد الشعوب الثقة في تعهدات قادتها، يفيض بها كيل الصبر والطاعة، فيكونون هم أول من يفقد احترامهم ويضيعون مهابتهم، وينتشر عدم الاحترام بين الحاكمين والمحكومين. خاصة حين لا يعتذر الحكام عن إخلالهم بتعهداتهم؛ لأنهم ألفوا أن تعتذر لهم الشعوب، لا أن يعتذروا لها. والشعوب التي لا تعتذر لحكامها تهدد بمصير كمصير العشرية السوداء في الجزائر، أو كمصير اليمنيين، أو الليبيين، وهلم جرا. ولذلك راح مسؤولون عسكريون، وسياسيون، ونقابيون في الجزائر يبلغون شعبهم باحتمال مصير دموي، عوضا عن كسب الثقة المهدرة.

إن ما هو معروف في عالمنا المعاصر والراهن أن المصداقية تعد من أهم مقومات الأنظمة السياسية الناجحة، وأن الدول التي تبقى عاجزة عن الوفاء بتعهداتها لشعوبها لم ولن تستطيع أن تساير حركية التاريخ.

شارك برأيك