«‏‏A Private War».. «حرب خاصة» – اليوم 24
  • كيلــي: جمهور السينما لا ينفتح على الاقتراحات الفنية -حوار

  • «الأسد الملك».. قصة صراع على السلطة والنفوذ بين الشبل سيمبا وعمه سكار

  • الإماراتية فتحية النمر: علاقتنا بالمغرب وطيدة إبداعيا وثقافيا -حوار

فن وثقافة

«‏‏A Private War».. «حرب خاصة»

قصة فيلم «حرب خاصة» مستوحاة من الواقع، وهي باختصار تدور حول عمل الصحافية الأمريكية «ماري كولفين»، المتخصصة في شؤون العالم العربي، التي لقيت حتفها في مدينة حمص السورية، شهورا بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية المطالبة بالتغيير هناك.

“حرب خاصة”، هو عنوان الفيلم الذي أخرجه المخرج الأمريكي “ماثيو هاينمان”، وعرض في المهرجانات والقاعات السينمائية منذ السنة الماضية وبداية الجارية. إذ يروي هذا الفيلم، الذي صور في الأردن ولندن، قصة حقيقية تتمحور حول حياة وعمل الصحافية الأمريكية “ماري كولفين”، مراسلة جريدة “صانداي تايمز” البريطانية، التي تخصصت في شؤون العالم العربي، وكذا في الحروب والصراعات والنزاعات (حرب لبنان، حرب الشيشان، حربة أفغانستان، الحرب الليبية، الحرب السورية، إلخ).

عندما صدر الفيلم السنة الماضية، قدم للجمهور على أنه تكريم خاص لصحافية شجاعة وجريئة تحدت الرشاشات والمدافع، لتنقل لقرائها وللعالم، عبر مقالاتها وشهادتها الحية، المآسي التي تخلفها الحروب. لم تكن تكتب عن الخسائر في هذا المعسكر أو ذاك، وإنما عن تلك الأشلاء المتناثرة بعد هجوم كاسح أو انفجار صاروخ، وعن تلك الأمهات اللواتي رزئن في أولادهن أو أزواجهن أو آبائهن، وعن طفلة فقدت عينها، مثلما ستفقد “ماري كولفين” عينها في حرب سريلانكا، وعن البيوت المهدمة والقرى المهجورة والعائلات المتجمعة في الطوابق الأرضية بلا أكل ولا ماء، وعن الأطباء الذين يداوون الجرحى وهم لا يمتلكون الوسائل الكفيلة بذلك ولا العلاجات أو الأدوية، إلخ.

وفي كل مشاهد الفيلم المستوحى من مقالة صحافية طويلة كتبت سنة 2012 تكريما لهذه الصحافية بعد وفاتها في حمص السورية، تبدو “ماري كولفين” (الممثلة البريطانية “روزاموند بايك” في دور البطولة) مصرة على الذهاب إلى أماكن خطيرة من أجل نقل حقيقة الحروب والمتحاربين إلى العالم. لا تقنعها تبريرات رئيس تحرير “صانداي تايمز”، ولا توسلات زوجها وعائلتها وأصدقائها وصديقاتها وزملائها في العمل، بالتخلي عما تعتزم فعله في كل مرة. ظل هذا الإصرار ثابتا وراسخا أينما حلت، رغم أنها فقدت عينها في حرب سريلانكا، دون أن يثنيها ذلك عن عزمها وإصرارها.

تواجه قدرها بشجاعة نادرة لا تتوفر أحيانا لدى الصحافيين الرجال الذين وُجدوا إلى جانبها في بعض بؤر الحرب الخطيرة. وبالشجاعة نفسها تحاور أباطرة الحرب، حيث لا تتردد في طرح أسئلة محرجة، مثلما يظهر من خلال مشهد الحوار مع زعيم ليبيا المقتول معمر القذافي بُعيد اندلاع الانتفاضة الشعبية في بعض المدن مثل بنغازي وسرت، إلخ. غير أنها تبدي شجاعة لا مثيل لها، وهي تصر على دخول مدينة حمص السورية في عز الحصار المضروب عليها، حيث كانت من أوائل الصحافيين الذين نقلوا معاناة سكان هناك. لكنها لم تخرج من بين أنقاض البيوت المتهدمة سالمة، حيث أسلمت الروح، إلى جانب صحافي آخر وجرح مصور، بعد انفجار صاروخ بالقرب منهما، وهما يحاولان الفرار من جحيم النيران.

ورغم ما تكشفه بعض مشاهد الفيلم من بشاعة ودمار، إلا أن فكرته لا تكمن في هذا الجانب، وإنما فيما كانت تراه هذه الصحافية وتنقله إلى العالم بقلمها السيّال ومقالاتها الطويلة. إذ تأتي المعاناة الإنسانية الناتجة عن الحرب والدمار في الفيلم مكثفة وسريعة، ومتوترة أحيانا لأن سردها يتأتى عبر تقنية الاسترجاعات (فلاش باك). كما أنه يروم أن يعكس فكرة قوامها أن “ماري كولفين” كانت منخرطة في عملها انخراطا روحيا، مثل متصوف انصرف إلى التعبد كلية، بل كانت منخرطة في عملها بشغف كبير، كأنه مخدر يستحوذ على كامل قواها العقلية والجسدية والنفسية. كانت تصر، وهي تباشر عملها الميداني خاصة، على أن تذهب بعيدا، هاجسها الاحتكاك بالناس، مهووسة بالإنصات وإعادة كتابة الواقع المعيش في ظل الحروب وترجمة الأحاسيس والمشاعر التي تكتسح الذات الإنسانية في لحظات المآسي. ولعلها نجحت في ذلك، في مشهد حديثها المباشر مع قناة “بي بي سي” عن الظروف الصعبة التي كان يعيشها سكان مدينة حمص، عن طلب امرأة سورية ماء وسكرا تغذي به ابنها الذي يوشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.

بهذا، يكون المخرج “ماثيو هاينمان”، وكذا الفريق الفني من ممثلين وبينهم الكثير من نجوم الشاشة العربية، قد وقعوا على عمل سينمائي رائع لا يروي، فحسب، سيرة صحافية استثنائية انتمت إلى الأفق الإنساني الكوني الرافض، بل يصور بشاعة القتل والخراب والدمار الناتجين عن الحروب والصراعات.

شارك برأيك