تفكير غير عقلاني – اليوم 24

تفكير غير عقلاني

  • «البام»: أزمة حزب أم أزمة نسق؟

  • إصلاح الأحزاب أو المجهول

ثمة اليوم، حيرة كبيرة في مختبر صناعة السياسة في المغرب، فانتخابات 7 أكتوبر 2016 أنهت أطروحة «ريمي لوفو»، فلم يعد بالإمكان صناعة الخارطة انطلاقا من البادية «المجال المحفوظ»، لأن التحولات الاجتماعية والرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي قلبت المعادلة، وصار من غير الممكن التحكم في صوت البادية عن طريق «الأعيان».

تكتيك الأعيان فقد مع تجربة «البام» فاعليته، ليس لأن الأعيان لا يقدرون على تعبئة الناخبين، ولكن لأن إمكانية تدبير تناقضاتهم أمر غير ممكن، ولا يوجد نظام انتخابي يمكن أن يتكفل بذلك. ولعل هذا ما جعلنا في البدايات الأولى لنشأة «البام» نتوقع فشله من هذه الزاوية.

في انتخابات السابع من أكتوبر، حصلت سيناريوهات عديدة للتنسيق الانتخابي بين «البام» والأحرار، أو الحركة الشعبية أو مع أحزاب «ديمقراطية»، وتحتفظ قناة اليوتوب باللقاء الذي نظمه «الأحرار» في إقليم تارودانت، وتعيين عزيز أخنوش للمرشحين اللذين تم الاتفاق بين الحزبين لدعمهما، لكن الجميع يعرف أن النتيجة انتهت بحصول التوتر بين الحزبين بسبب تمرد الأعيان الذين لم يتم إرضاؤهم.

تركيب الخلاصتين، أنه لا تكتيك البادية ولا تكتيك الأعيان، صار يمثل خيارا ممكنا لصناعة السياسة، وأن هذا الضبط ما دعا النخب إلى الانتقال من التفكير في شروط صناعة السياسة إلى التفكير في احتياطات عدم انزياحها عن قاعدة «الضبط».

تجربة الأمس كانت معنية أساسا بشروط صناعة السياسة، أي الاستثمار في حزب سياسي قائم، أو محاولة تنشئته، بهوية وعرض سياسي، وتمكينه من أدوات الانتصار الانتخابي (البادية والأعيان والنظام الانتخابي). أما اليوم، فبسبب من الفراغ، صار التفكير منصبا على ما بعد الاقتراع: تعديل الفصل 47 لجهة التراجع عن تعيين رئيس الحكومة من بين الحزب المتصدر للانتخابات، أو التعلل بتكرار تجربة «البلوكاج»، لاقتراح أن تؤول رئاسة الحكومة للحزب الثاني في حال تعذر على رئيس الحكومة المعين تشكيل الحكومة.

ثمة من يتابع حركات عزيز أخنوش، ويعتقد أن التفكير لايزال منصبا على شروط صناعة السياسة. كان الأمر، كذلك، مع تجربة «البام». واليوم، يتكرر الأمر مع «الأحرار»، لكن إذا كانت الثقة حاصلة بهذا العرض، فلماذا يتم ملء المكان بصخب تعديل الفصل 47؟ تقديري، أن الاستثمار في «الأحرار»، وفي زعيمه في الآونة الراهنة، ليس مقصودا لذاته، والأرجح أنه لا يمثل سيناريوها، بقدر ما يبعث برسالة، تنسجم مع مجمل العناوين التي تندرج ضمن احتياطات ما بعد الاقتراع. فالسيد أخنوش يمثل تجربة «البلوكاج» بجميع تفاصيلها، والطّرقُ الكثيف على تعديل الفصل 47 يمثل العنوان نفسه، إذ ليس بعد الانتخابات وتصدر الانتخابات، سوى خيارين، تعيين رئيس الحكومة من غير الحزب الفائز، أو «بلوكاج» على شاكلة النموذج السالف الذكر، يجد في نهايته فصلا تم تعديله لجهة أن يسند الأمر إلى الحزب الثاني أو لمن يمثل تحالفا أغلبيا يصنع «البلوكاج».

وهكذا يرى القارئ أن التفكير كله، يتجه إلى ما بعد الانتخابات، بدل التفكير في شروط صناعة السياسة قبل الاقتراع الانتخابي، هذا مع المؤشرات التي يتم التبشير بها بخصوص تراجع «العدالة والتنمية»!!

ما يعقد المشكلة، أن الذي يدفع أكثر إلى التفكير في الاحتياطات بدل شروط صناعة السياسة، هو عودة بنكيران إلى السياسة، إذ رغم الحملة التي استهدفته، فلايزال التفكير في احتياطات ما بعد الاقتراع الانتخابي مرتبطا بهذا الهاجس.

الملفت في التفكير، أو ربما الثابت فيه، أنه في ظل عدم وجود سيناريو لصناعة السياسة، يبقى البديل الدائم الذي يتم الاشتغال عليه بالطريقة نفسها، حتى وهي تؤدي إلى نتائج عكسية، هو الحملات السياسية والإعلامية للتقليص من حظوظ الأحزاب الإصلاحية المتوقع تصدرها للمشهد السياسي.

لكن ما يتم الغفلة عنه، أن التفكير بهذه الخلفية، قد يرتبك إذا برزت متغيرات تهدد قاعدة الاستقرار الاجتماعي، مما يجعل عملية توجيه نتائج الاقتراع الانتخابي وحرف مضمونها مؤثرا، ليس فقط، في منسوب الثقة في السياسة، ولكن أيضا في اتساع رقعة الاحتجاج، وإمكانية تحوله إلى نقطة نظام ضد الدولة.

الشارع الملتهب، والمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية غير المطمئنة، وسياقات الجوار الإقليمي، يتطلب في هذه الظرفية الصعبة الاشتغال على بناء سياق سياسي داخلي قوي، بدل التفكير في احتياطات لمنع ترتيب النتائج السياسية للاقتراع الانتخابي المقبل.

شارك برأيك