خاص.. هكـذا انتظـر المغاربـة «البابا فرانسيـس» – اليوم 24
الملك والبابا فرانسيس
  • أحمد الزفزافي

    الزفزافي: ناصر يرفض الظلم ووجد في مقتل فكري فرصة لتفجير قناعاته السياسية -الحلقة10

  • أحمد الزفزافي

    الزفزافي:إذا خرج ناصر وترشح سيحصل على اغلبية الأصوات -الحلقة9

  • أحمد الزفزافي

    الزفزافي: لن أعتذر والدولة هي من يجب أن تعتذر لنا في الريف-الحلقة 8

مجتمع

خاص.. هكـذا انتظـر المغاربـة «البابا فرانسيـس»

يوم الجمعة، كان الجو صحوا، الحركة اليومية لمدينة الرباط انطلقت بشكل عاد مثل كل يوم، الموظفون يحجون بالأفواج إلى مكاتبهم، والأطفال إلى مدارسهم، محطة القطار تستقبل المسافرين وتودعهم على صوت آلات الحفر التي تستعمر المحطة الجديدة، لكن فجأة وبدون سابق إنذار، توقفت شاحنات البلدية في الشوارع الرئيسية للمدينة، بدأ يخرج منها العمال يرتدون ملابس موحدة كأنك تشاهد سلسلة “casa de papel”، غير أنهم هنا لن يسرقوا البنك المركزي، بل سيزينون المدينة. ساكنة العاصمة يعون جيدا أن مثل هذه الأشغال لا تكون إلا إذا كان الملك محمد السادس سيمر من تلك الشوارع، هذه أصبحت عادة والمواطنون طبعوا مع مثل هذه الممارسات، الشوارع نظيفة والورد مزهر حتى ولو كان فصل الصيف، فمعناه الملك هنا أو سيستقبل ضيفا.

التجهيزات

كان العمال يعملون بكد وإتقان وبسرعة وهذا غير مألوف، فصباغة رصيف واحد تستغرق فيها البلدية أياما، لكن في هذا اليوم كل الأشغال كانت تسير بسرعة كأن المسؤول عن هذه الأشغال لديه العصا السحرية. شارع محمد الخامس كانت ألوان أرصفته باهتة، إذ لم يتم تجديدها منذ افتتاح الدورة التشريعية الخريفية التي يفتتحها الملك، لكن اليوم بدا كأنه شارع آخر ليس هو الشارع الذي يشهد كل يوم احتجاجات ومسيرات، إذ تم تنظيفه بالماء والصابون وفرك كل جنباته وتنشيفها تماما كما تفعل الأمهات في البيوت.

حتى العشب تم زرعه، وللمعجزات الإلهية أنه نمى في نفس اليوم، أما الزهور فقد تفتحت بألوانها الزاهية الربيعية في ساحة البريد، التي كانت سابقا مأوى للمشردين ليلا وللعشاق والمتقاعدين نهارا.

بالرغم من الاستعدادات التي تجري على قدم وساق، إلا أن المواطنين لا يعرفون لما كل هذا، فلم يسبق أن كانت هذه التجهيزات في هذا الوقت من مارس في السنوات الماضية، علق أحد المارين من شارع محمد الخامس على الأشغال قائلا: “هل سيفتتح الملك الدورة الربيعية للبرلمان؟ أم أن الملك قدم بالليل للشارع ووجده قذرا فغضب؟”، أسئلة هذا الرجل الأربعيني ستجد لها إجابات بعدما شاهد العمال يضعون علم المغرب جنبا إلى جنب مع علم أبيض يتخلله تاج ومفتاحان في اللون الأصفر وقليل من الرمادي. الرجل لم يتعرف على العلم، قال إنه لم يسبق أن شاهد دولة علمها مثل هذا.

التحضيرات لم تقتصر فقط على غسل وتزيين الشوارع، بل تم تشوير جميع شوارع وأزقة المدينة بأسمائها، وهذه سابقة في التجهيزات لأي نشاط ملكي.

كما أن الولاية اتخذت قرارا يتعلق بمنع كل الساكنة أو المكاتب التي تطل على الشوارع الرئيسية للمدينة من فتح نوافذها طيلة يوم السبت، وكل من خالف هذا القرار فهو ملزم بأداء غرامة لخزينة الدولة.

هذه القرارات يرى بعض المواطنين أنها غير منطقية وفيها نوع من المزايدة، خصوصا بعدما علموا أن ضيف المغرب هو “البابا فرانسيس”، وهو بابا الكنيسة الكاثوليكية، بينما يرى البعض الآخر أن هذه الإجراءات عادية نظرا إلى الضيف القادم وحساسيته.

استمرت الأشغال حتى ساعات متأخرة من ليلة الجمعة، وتم إعادة غسل وفرك الشوارع للمرة الثانية، ووضع الحواجز في الشوارع التي سيمر منها الموكب الملكي، والذي سينطلق من مطار مدينة سلا إلى غاية الضريح بحسان، سائق الأجرة الذي كان يقلنا ذلك المساء سألناه عن الضيف الذي سيزور المغرب، فقال إنه سمع بأنه “فقيه اليهود”، لكن عندما صححنا له أن القادم هو بابا المسيحيين، قال إنه لا فرق لديه كلهم “نصارى”، السائق كان منزعجا لأنه تم إغلاق قنطرة الحسن الثاني مساء الجمعة وهي التي تربط بين سلا والرباط.

إحدى الراكبات معنا وقد قدمت نفسها أنها مديرة مدرسة أخبرتنا أن قائد المنطقة قدم إليها عشية الجمعة، وطلب منها إخراج طلبتها لاستقبال الملك، لكنها أخربته أنها لا سلطة لديها على الطلبة.

يوم الزيارة

كأنه موسم الحج إلى العاصمة، منذ الساعات الأولى ليوم السبت، إذ لوحظ مئات الوافدين إلى مدينتي الرباط وسلا، يبدو من محياهم أنهم قادمون من نواحي المدينة أو من المدن والقرى الصغيرة الموجودة في الغرب، ينزلونهم من حافلات مهترئة ثم يصطفون في الشريط الذي تم رسمه بعناية، لم يكن لهؤلاء الناس دور غير تحية الملك وترديد “عاش الملك”، أما البابا فلا يعرفونه فبالنسبة لهم هو مجرد ضيف وهم هنا من أجل الملك وحده، أغلبهم ألفوا أن يأتوا للعاصمة في المناسبات لتحية الملك والتعبير عن حبهم، والبعض الآخر خصوصا من الشباب يجدونها فرصة سانحة لزيارة العاصمة ما دام أن النقل والأكل مجاني.

تم رص الحافلات قرب مرجان “أبي رقراق”، كانت بالمئات، يخيل إليك حين تراها أن أسطول حافلات المغرب حج إلى هنا، كان الناس يصطفون على طول الشوارع القادمة من مطار سلا إلى غاية الضريح، كما تم جلب الفرق الموسيقية التي كانت تغني وتعزف بدون لحن موحد ليتحول عزفها إلى ضجيج يؤنس المنتظرين للموكب، سألنا أحد الواقفين “لماذا أنت هنا؟” رد وهو يبتسم “باش نشوف سيدنا”، هذا الرجل المنحدر من نواحي سيدي قاسم قال إنه دائما يأتي للرباط لتحية الملك، موضحا أن مقدم قريتهم في كل المناسبات يطلب من الساكنة القدوم لاستقبال الملك وكل من رفض القدوم يفتح على نفسه نار جهنم.

سألنا رجلا آخر هل يعرف الضيف الذي سيستقبله الملك، أخبرنا أن المقدم قال إنه ضيف مهم قادم من الخارج “وعلينا نكبرو بسيدنا لذلك حنا هنا”، وحين أخبرناه أن القادم هو “بابا الفاتيكان”، صمت لبرهة ثم قال باللامبالاة “كلنا خوت الله يرزق الصحة والسلامة”.

أيضا كان هناك صف من الأفارقة المقيمين في المغرب بدورهم ينتظرون قدوم “البابا”.

بالإضافة إلى ساكنة المناطق الأخرى الذين تم جلبهم، هناك فئة أخرى تم جلبهم من جميع مناطق المغرب، وهم المنتخبون والجمعويون والذين كان مكانهم داخل الضريح، حيث تم تجهيز المكان بكراس لونها ذهبي، كلما نظرت إلى تلك الكراسي المرتبة بعناية يخيل إليك أنك ستشهد حفل “أوبرا” في مسرح يوناني، كانت هذه الفئة تضع “affiche” في أعناقهم داخلها البطاقة الوطنية ومكتوب في ظهرها الاسم ورقم الحافلة والمدينة. أغلب المدعوين لسماع خطاب الملك والبابا بشكل مباشر كانوا يرتدون الزي المغربي التقليدي سواء من النساء أو الرجال.

في نفس الساحة تجمع أيضا معتنقو الديانة المسيحية من الأجانب المقيمين في المغرب، جاؤوا لمشاهدة “البابا” ويسمعون ما سيقوله جنبا إلى جنب مع ملك دولة دينها الرسمي هو الإسلام.

وصل الملك وكانت الهتافات تتعالى وتردد في الأفق أصواتا تصدح بـ “ملكنا واحد محمد السادس”، و “عاش الملك”.

ورغم الأمطار التي تساقطت بشكل فجائي، استمر الناس في الانتظار في مكانهم حتى ينتهي الملك من خطابه، لكن المدعوين الذين كانوا داخل ساحة صومعة حسان كانوا أقل صبرا من الجماهير التي تقف في الخارج، فبعضهم استعمل “الميكا” ليتجنب الشتاء والبعض الآخر استعمل الكراسي، حيث كانوا مادة دسمة لأصحاب الكاميرات.

بعد انتهاء الحفل ومغادرة الملك فضاء حسان، بدأت فوضى من نوع آخر، المئات من الناس يبحثون عن الحافلات التي جاءت بهم إلى هنا، الطريق كانت متوقفة بسبب عدد الحافلات والسيارات التي كانت تنتظر دورها لسلك القنطرة، ساكنة سلا الذين قدموا لرؤية الملك لم يجدوا وسائل النقل التي تقلهم إلى بيوتهم، عند انتهاء الحفل انتهى التنظيم الذي بدأ منذ يوم الجمعة وتركوا الفوضى تحل مكانه..

شارك برأيك