الثورة الصناعية الجديدة.. ونهاية العمل – اليوم 24

الثورة الصناعية الجديدة.. ونهاية العمل

  • بركات نهر الغانج!

  • ديمقراطي والعياذ بالله !

التطور الذي عرفته الرأسمالية ومعها شكل الدولة والعلاقات الاجتماعية، يعرف اليوم، حدوده القصوى فيما يعتبره الاقتصادي المستقبلي الأمريكي جيرمي ريفكن، بـ»نهاية الرأسمالية». هذه النهاية ليست من صنف الخطاب الإيديولوجي الذي نظّر له فوكوياما في «نهاية التاريخ»، بل هو طرح مناقض تماما لطرح فوكوياما. يعتبر ريفكن أن الرأسمالية تعرف اليوم، تطورا يؤدي إلى نهايتها الحتمية وبداية عهد نظام اقتصادي جديد يدشن عهد «المشاعات التعاونية» مع نهاية حقبة السوق، فالبحث المستمر للرأسمالي عن التكلفة الثابتة الصفرية بما يحقق زيادة في الإنتاج وفائضا في الأرباح، لم يعد مجرد طموح يقوده عالم الربح، بل هو واقع اليوم بسبب الثورة التكنولوجية التي قادت الرأسمالية إلى نجاحاتها الكبيرة بينما تقودها اليوم إلى نهايتها. كيف ذلك؟

الثورة التكنولوجية اليوم، تقود إلى تحقيق قوة إنتاجية غير مسبوقة تنزل بالتكاليف إلى ما يقارب الصفر.. مما سيجعل السلع والخدمات تقترب من المجانية أو ما يسميه ريفكن في كتاب مهم بالتكلفة الصفرية للإنتاج، متجاوزة بذلك المبادلة في اقتصاد السوق.. هذا الأمر ليس فرضية نظرية، بل كما يؤكد جريمي ريفكن، بل هو واقع يعرفه العالم مع شبكة الإنترنت منذ 1990 إلى اليوم.. حيث بدأت أولى آثار ظاهرة التكلفة الصفرية على صناعة الصحف والمجلات والإعلام بصفة عامة، إذ أصبح تدفق المعلومات والأخبار بدون مقابل، وصل اليوم، إلى أزيد من 40% من سكان العالم ممن يملكون أجهزة الهاتف والحواسيب واللوحات الإلكترونية، وهو ما عجل بإغلاق العديد من الصحف والمجالات، متحولة إلى النيت (الإندبندنت، مجلة نيويورك تايمز…)، وحتى محاولات بعضها إعادة منطق التبادل السوقي، عبر اعتماد دفع مسبق، فإنه في طريقه للفشل حسب ريفكن دائما ونعتقد أن حتى بعض قصص النجاح في هذا الإطار قد لا تصمد طويلا، إذ بفضل تطور تكنولوجيا الاتصال، تحول ملايين البشر إلى منتجين ومبادلين للأخبار وللأعمال الموسيقية وغيرها… بحيث يمكن التوقف طويلا عند قصص نجاح كبيرة على «اليوتيوب» وباقي مواقع التواصل الاجتماعي.

لقد تجاوز الأمر في السنوات الأخيرة العالم الافتراضي، ودخل العالم اليوم، ما يسمى «إنترنيت الأشياء»، حيث السلع والبضائع الواقعية والطاقة وخدمات لوجيستية للنقل عبر الإنترنيت، فاندماج هذه العناصر مع بعضها، مع شبكات الاستشعار المنتشرة في العالم وفي كل الفضاءات (الفنادق، المتاجر، المعامل، الطرق العامة، مراكز التخزين، محطات القطارات، محطات الطاقة، المدارس، الأجهزة المنزلية…) التي تبلغ اليوم 13 مليار جهاز، والتي ستنتقل، حسب IBM، إلى 30 مليار جهاز استشعار حول العالم بعد 4 سنوات فقط، بل سيبلغ الأمر، حسب IBM، دائما مائة تريليون جهاز في حدود 2030 (وإذا علمنا أن تريليون يساوي ألف مليار، فإن عدد هذه الأجهزة سيبلغ 100 ألف مليار جهاز)، هذا ما يشكل حسب ريفكن، شبكة عصبية عظمة غير مسبوقة في التاريخ البشري.

هذا التغير في شكل الطاقة ووسائل النقل وتكنولوجيا الاتصال، تمثل بالنسبة إلى ريفكن الأسس لتحول اقتصادي، فهو المهندس الرئيس لما سمّاه هو بـ»الثورة الصناعية الثالثة»، والتي قدمها في كتابه الذي يحمل الاسم نفسه، حيث كان قد اعتبر تلك الثورة تحمل إجابة عن تحديات الأزمة الاقتصادية العالمية، والأمن الطاقي والتغير المناخي.

والثورة الصناعية الثالثة من خلال سياق بحثه تقتضي أنها لاحقة لثورتين سابقتين، فقد وقعت الثورة الصناعية الأولى في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وكانت نتيجة اقتران ثلاث ظواهر هي: تطور الآلة البخارية، واستعمال الفحم باعتباره مصدرا للطاقة، وظهور السكة الحديدية باعتبارها وسيلة للتواصل، حيث ولد  تكاثف عناصر هذا المركب الثلاثي اقتصادا جديدا قام على النسيج والصناعات المعدنية. أما الثورة الصناعية الثانية، فقد حدثت في أواخر القرن التاسع عشر، وكانت ثمرة تطور محرك الاحتراق الداخلي moteur à explosion، واستعمال البترول والكهرباء باعتبارهما مصدري الطاقة، واعتماد التلغراف والهاتف كوسائل اتصال. أطروحة جيريمي ريفكن بهذا الخصوص واضحة وبسيطة،  فعندما يتم اكتشاف منظومة طاقية وتكنولوجيا اتصالات جديدة، يقع تحول جذري في الاقتصاد ومن ثم شبكة العلاقات القيمية والإنسانية، وبحسب ريفكن دائما، تتميز كل ثورة صناعية بآليات جديدة، ومصدر جديد للطاقة ونمط جديد من الاتصال، ولذلك فالثورة الصناعية الثالثة ليست إلا اقتران أنظمة الإعلاميات، باستخدام الطاقات المتجددة والشبكات الاجتماعية باعتبارها وسائل الاتصال الجديدة.

بهذه الصورة يخلص ريفكن إلى أن العالم اليوم يدخل «ثورة اقتصادية» و»نموذجا اقتصاديا جديدا» اصطلح عليه بالثورة الصناعية الثالثة، والتي تمثل الأساس الذي شيدت عليه في السنوات القليلة الماضية الثورة الصناعية الرابعة التي يهيمن فيها الذكاء الاصطناعي، وهي ثورة ستفتح الباب واسعا لما يسميه ريفكن في كتاب صدر قبل عشرين سنة بـ»نهاية العمل»، وهي مرحلة غير مسبوقة في التاريخ الإنساني وحافلة بالتحديات والفرص.

شارك برأيك