الوجود بالقوة أو الوجود بالفعل؟ – اليوم 24

الوجود بالقوة أو الوجود بالفعل؟

  • عن موسم زيارة المهاجرين

  • الإسلام وهيبته في المزاد من جديد

درج الناس منذ أزمنة تاريخية قديمة على تقديم خطط ومشاريع، أو تقديم رؤى ومقترحات لحل مشكلات اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، بعضها لا تتجاوز وضعية ما يسميه فلاسفة عتبة «الوجود بالقوة». لكن أصحاب تلك المشاريع قد يزعمون أن ما نطقوا به قد طبق فعلا بمجرد ما تلفظوا به، وفقا لمرثية الكاتب عبدالله القُصيمي «إن العرب… يحسبون أن ما قالوه قد فعلوه». وما تتميز به بعض المخططات أنها لا تنفذ إلا بعد زمن طويل؛ ما يفقدها نجاعتها وحماسة الناس إليها؛ الحماسة التي تعد جزءا مركزيا في عملية نجاح أي فكرة أو مشروع أو حل. إذ كثيرا ما ينجم عن عدم تنفيذ الموعود به في زمنه إحالة بشارات المخاطبين إلى إحباطات، بل إلى يأس، وضياع مصداقية المسؤولين عن تلك الوعود والبشارات. ونأخذ على سبيل المثال، لا الحصر، الآمال التي علقها المغاربة على «بشرى» الانتقال الديمقراطي، سواء في الخطاب الرسمي أو شبه الرسمي أو الحزبي. ومن المتعارف عليه إن عبارة «الانتقال» توظف للتدليل على المرور من مرحلة إلى مرحلة؛ كقولنا «عبرنا من مرحلة الاستعمار إلى مرحلة الدولة الوطنية»، فالحيز الزمني في ذلك واضح، أو كما قال محمد الخامس: «انتقلنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»، أي من زمن مقاومة الاستعمار إلى مقاومة التخلف. أما إذا طال أمد الانتقال في الزمن، الذي هو بعد وجودي فعلي، فسيبقى ما تم الإعلان عنه في مربع الوجود بالقوة لا غير.

يفوق عمر شعار: «الانتقال الديمقراطي» المتداول في المغرب أربعين سنة منذ الترويج له. لكن، لانزال نكرر العبارة نفسها التي أفقدها عدم تفعيلها أو تنفيذها على أرض الواقع كثيرا من سحر تأثيرها والحماسة لها. وفي جانب آخر سيحيي المغاربة، بعد شهور قليلة، الذكرى العشرين لخطاب 12 أكتوبر 1999 الذي بشرهم «بمفهوم جديد للسلطة». لكن كثيرا من المغاربة يتساءلون: ما الجديد الذي تحقق فعلا في تلك الإدارة؟ وقد انتقد ملك البلاد ضعف الحكامة للإدارة المغربية وقلة مردوديتها في خطاب العرش 2017 قائلا: «إن من بين المشاكل التي تعيق تقدم المغرب، هو ضعف الإدارة العمومية، سواء من حيث الحكامة، أو مستوى النجاعة أو جودة الخدمات، التي تقدمها للمواطنين». فما هي أهم العلل في ذلك؟

هل يعود السبب إلى أن إدراك المواطنين لمفهوم السلطة الجديد لا يتماشى وإدراك المباشرين للسلطة؟ أم إن أعطابا، لا يعرفها كل المغاربة، تحول دون تجسيد هذا المفهوم على الأرض؟ أم إن العلة تكمن في رفض المغاربة لتطوير الإدارة، تشبثا بثقافة «إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنّا على آثارهم مهتدون». وما يقال عن الانتقال الديمقراطي ومفهوم السلطة الجديد يمكن أن يقال، كذلك، عن شعار «دولة الحق والقانون» و»استقلال القضاء»، وهلم جرا… أم إن المهم هو جعجعة الطاحونة وليس الطحين؟

نعتقد بأن ما يعرقل السير الإيجابي لحياتنا السياسية، ويثبط خطط المغاربة الاقتصادية، ويؤخر تنميتنا الاجتماعية والثقافية، ويصنفنا دوليا في المراتب المتأخرة في التنمية الاجتماعية؛ تلك التقارير التي تتصف بالمصداقية وتروم الحيادية، هو إما أن المشرفين على تسيير الشأن العام تنقصهم الأهلية والكفاءة، وإما أن الدولة ــ الأمة أخفقت في وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وفي الوقت المناسب. وإما أن عدم تنفيذ ما تم الإعلان عنه يعود إلى نقص في الضمير الوطني والمهني للمسؤولين؛ واطمئنان المسؤولين إلى عدم المتابعة القانونية، طبقا للمبدأ الدستوري «ربط المسؤولية بالمحاسبة». وإما اعتماد آليات إسكات أصوات من يحتجون على سلوك الإدارة، واتهامهم بإخلال أمن الوطن واستقراره، بل يمكن أن تلصق بهم تهم خيانة الوطن، وتهديد سلامة الدولة الداخلية والخارجية، كما حدث مع الاحتجاجات الاجتماعية في الريف وفي غير الريف. وإما أن هذه العلل والأسباب مجتمعة، بنسبها المتفاوتة، تكون وراء عرقلة مسيرة الانتقال الديمقراطي في المغرب، والتأثير غير الإيجابي على إمكان عبور بلدنا إلى مراحل حقيقية من تحقيق طموحات المواطنين في الانتقال من كلام الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل.

شارك برأيك