الساعة: انحراف الحكومة والقاضي الدستوري 2 – اليوم 24

الساعة: انحراف الحكومة والقاضي الدستوري 2

  • مغرب 2021 (4)

  • (مغرب 2021) «2»

(حسن رأي القاضي خير من شاهدي عدل)

مثل عربي

*إن الانحراف الدستوري الذي أشرنا إليه في مقالنا السابق، بعنوان «الساعة: انحراف الحكومة والقاضي الدستوري»، كان انحرافا في الشكل وفي الموضوع، وكان على المحكمة الدستورية في قرارها الصادر يوم 13 مارس 2019 تصحيحه، إلا أنها تمادت في توجيهات الحكومة بنوع من «التهافت» في الانحراف الدستوري.

وإذا كنا قد وقفنا في مقالنا السابق على الخرق الشكلي، الذي ارتكبته الحكومة حين عدلت القانون بمرسوم حكومي دون الحصول على إذن مسبق من المحكمة الدستورية «الفصل 73 من الدستور»، وأن هذه الأخيرة في قرارها الأخير تكون قد بتت خارج مجال اختصاصها الزمني، لكون المرسوم الحكومي موضوع الإذن، تم نشره وشرع في تطبيقه خمسة أشهر قبل تفعيل الفصل الدستوري، أي قبل صدور إذن المحكمة الدستورية، فإن هذه الإخلالات الدستورية الشكلية واكبتها، كذلك، إخلالات في الموضوع كانت كالآتي:

إن مرسوم الحكومة الصادر في أكتوبر 2018، والذي أضاف 60 دقيقة إلى التوقيت القانوني للمملكة بصورة دائمة ومستمرة، صدر «كما نص على ذلك» استنادا على المرسوم الملكي لسنة 1967 ذي الصبغة التشريعية، نظرا إلى السلطات التي كان يملكها آنذاك المرحوم الملك الحسن الثاني أثناء حالة الاستثناء، والمرسوم الملكي هذا حدد في فصله الأول قاعدة قانونية تشريعية، وهي أن التوقيت الرسمي للمملكة هو «التوقيت الزمني المتوسط لخط غرينيتش».

وإذا كانت الفقرة الثانية من الفصل نفسه، قد رخصت للحكومة أن تضيف 60 دقيقة ابتداء من تاريخ يحدد بموجب مرسوم ويرجع للتوقيت العادي طبقا للشروط نفسها، «كما نص على ذلك المرسوم الملكي»، فإن المرسوم الحكومي الصادر في 26 أكتوبر 2018 نص على مرجعية المرسوم الملكي دون إلغائه رغم أنه طلب الإذن، أي نقل الاختصاص من مجال السلطة التشريعية إلى السلطة التنظيمية، وفي المقابل، فإن المرسوم الحكومي نفسه عدل التوقيت وفقا للترخيص المنصوص عليه في الفقرة الثانية من الفصل الأول من المرسوم الملكي نفسه، الذي يمنح هذه السلطة، لكن بصيغة المؤقت وليس الديمومة كما جاء في المرسوم الحكومي، أي إنه نقل السلطة إلى المجال التنظيمي واستند عليه كقاعدة تشريعية، ومن ثم أكد على استمراريته رغم أن الفقرة الثانية من الفصل الأول من المرسوم الملكي، هي التي أطرت المرسوم الحكومي لأكتوبر 2018. غير أن هذا التعديل في المادة الأولى من المرسوم الحكومي «أكتوبر 2018» جاء مخالفا للفصل الأول من المرسوم الملكي الذي استند عليه في ديباجته، ذلك أن المرسوم الملكي منح ترخيصا للحكومة لإضافة 60 دقيقة إلى التوقيت القانوني للمملكة، لكنه ترخيص مؤقت يتم خلال السنة نفسها، إذ يبدأ بتاريخ محدد ويتم الرجوع إليه بالشروط نفسها، وهو ما لم تحترمه الحكومة في مرسومها «أكتوبر 2018»، حيث أضافت وبشكل مطلق ودائم 60 دقيقة إلى التوقيت القانوني للمملكة، أي إن الحكومة لم تمارس الترخيص الممنوح لها سنويا وبشكل ظرفي، ولكنها عدلت المرسوم الملكي برمته، بتنصيصها في مرسومها الحكومي على ديمومة إضافة 60 دقيقة إلى التوقيت القانوني، بدليل أنها لم تحدد نهاية تاريخ إعماله كما فعلت سنة 2012، حيث نصت آنذاك على إضافة 60 دقيقة إلى توقيت المملكة مؤقتا، تبتدئ من الساعة الثانية صباحا من يوم الأحد الأخير من شهر أبريل في كل سنة، وتنتهي عند الساعة الثالثة صباحا من يوم الأحد الأخير من شهر شتنبر من كل سنة.

ولإنقاذ ماء الوجه، توجهت الحكومة «متأخرة» إلى إعمال الفصل 73 من الدستور، غير أنه إذا كانت ترغب في إعمال صحيح لمقتضيات هذا الفصل، كان عليها أولا، أن تلغي المرسوم الملكي بشكل صريح وواضح، عوض قيامها بنسخ مرسوم حكومي سابق، وهو المرسوم الحكومي المؤرخ في «18 أبريل 2012»، بواسطة المادة الثالثة من المرسوم الحكومي «26 أكتوبر 2018»، مما يعني أنها استغلت الترخيص المنصوص عليه في الفصل الأول من المرسوم الملكي، لتحافظ ضمنيا على استمرارية هذا المرسوم الملكي، وإذا كان الأمر، كذلك، ما الحاجة إلى مسطرة الفصل 73 مادام المرسوم الملكي، مازال ساري المفعول وهو مرجعية المرسوم الحكومي الأخير؟ وبالتالي، التعامل مع هذا الفصل بشكل غير قانوني ولا دستوري. والغريب في تصرف الحكومة هذا، هو أنها استطاعت تمريره على المحكمة الدستورية التي وقعت بدورها في خلط، لكون الفصل 73 ينص على الإذن للحكومة لكي تمارس اختصاصا يعود في الأصل إلى البرلمان، أي «تغيير» نص تشريعي، ليتحول إلى سلطة تنظيمية تصدر على شكل مرسوم، أي إن المحكمة الدستورية كان عليها أن تبت في مدى أحقية الحكومة في القيام بممارسة سلطة تنظيمية في مجال كان مقننا تشريعيا في دستور سابق، وليس الحفاظ على نص تشريعي ونص تنظيمي في الوقت نفسه، وفي المجال ذاته، ومنح الشرعية لجزء من النص التنظيمي من خلال إعمال الفصل 73 مع استمرارية النص التشريعي، أي المرسوم الملكي الذي لم يتم إلغاؤه إلى حينه، مادام المرسوم الحكومي الأخير يستند عليه ويشير إليه في مضمون نصه.

من جهة أخرى، فالمرسوم الحكومي كما عرضته الحكومة على المحكمة الدستورية، نجده قد ترك المجال كله للسلطة التشريعية، بعدم إلغاء المرسوم الملكي، فقط استندت عليه وألغت مرسوما حكوميا سابقا، هو مرسوم «أبريل 2012»، حين اعتبرت في المادة الثالثة من مرسوم «أكتوبر 2018» أن هذا الأخير يعوض مرسوم «أبريل 2012»، حيث جاء في هذه المادة (بتغيير الساعة القانونية، كما تم تغييره).

إن الحكومة بهذه الخروقات، وضعت الجميع أمام خلط كبير، تحافظ على القانون، وتمارس الترخيص بمرسوم تنظيمي، وتطلب من المحكمة الدستورية أن تأذن لها بإصدار مرسوم مخالف لقانون مازال ساري المفعول، أعتقد أن هذا الخلط يطرح سؤالا حول حقيقة دور القاضي الدستوري، أما الطبيب النفساني، فإنه يدبر أزماته بإعادة خلقها.

شارك برأيك