إصلاح التعليم وأزمة الصناعة والانزياح عنها – اليوم 24

إصلاح التعليم وأزمة الصناعة والانزياح عنها

  • «البام»: أزمة حزب أم أزمة نسق؟

  • إصلاح الأحزاب أو المجهول

الأزمة التي يمر منها مشروع القانون الإطار لإصلاح منظومة التربية والتكوين تعكس الأزمة ذاتها، التي عرفتها مشاريع إصلاح التعليم عبر مسار طويل.

البعض يعتقد أن الخلاف داخل العدالة والتنمية عطل التوافق، وتسبب في الأزمة وإرباك عمل المؤسسات، لكن الرجة التي حدثت داخل هذا الحزب، هي انعكاس لأزمة “صناعة” الإجماع حول رؤية ما للدولة، مع أن الأخيرة تضع نفسها في موقع المحتاج الباحث عن إجماع لإصلاح التعليم يصنع داخل مؤسسة دستورية تمثل الطيف المجتمعي.

ثمة معضلة غير مفهومة، فأن تكون للدولة رؤيتها الجاهزة، وتريد بطريقة ناعمة “صناعة إجماع” يتماهى مع رؤيتها، فهذا خيار ممكن إن تم تدبيره بعقلانية، لكن، الخطورة هي أن تنتهي المؤسسة الممثلة للطيف المجتمعي – مع الملاحظات التي يمكن أن تكون على التركيبة – إلى إجماع، ثم يتم الانزياح عنه لاعتبارات لا يدري أحد هل يكمن السبب في تدخل الدولة لإجراء تكييفات عليه، أم تدخل جهات أخرى لم تكن دينامياتها منتجة بالشكل الكافي في أدائها المؤسسي.

التقييم يقول بأن رئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين، عمر عزيمان، كان في غاية اللباقة في “صناعة الإجماع الذي تبحث عنه الدولة، فقد أعانته تركيبة المجلس في التحرك بقدر كبير من الأريحية، فوجد أمامه نخبا مخزنية تعرف الوجهة، ويسار مروض، له خبرة ودُربة على المناورة، وقوى إصلاحية، تم اختيارها بخلفية التباين في مواقفها وخبرتها وشكل علاقتها بالسلطة.

وعلى الرغم من أن التشاور دفع البوصلة في بعض المحطات بعيدا عن الوجهة كما حدث عند الاختيار الاستراتيجي للغة الأجنبية الأولى (الإنجليزية)، فإن تركيبة المجلس والديناميات التي أنتجت داخله،  أرجعت الأمور إلى مربعها الأصلي، مع أن المؤشرات العلمية وواقع اللغة الفرنسية في علاقتها مع البحث العلمي كانت تشجع على مغادرة  هذا المربع.

بكثير من الذكاء والمناورة من جانب رئيس المجلس، خرج المجلس بصيغة التناوب اللغوي، وكانت كلفة التوافق و”صناعة الإجماع” أن تأتي هذه الصيغة مقيدة بالآجال الزمنية والمستويات وربط تعميم خيارات الهندسة اللغوية وترسيمها بنتائج التقييم.

في المحصلة، لم يطمئن أحد إلى هذه الصيغة، فقد شكلت بالنسبة إلى القوى الوطنية تراجعا عن المقتضيات الدستورية التي تجعل التدريس باللغة العربية رهانا استراتيجيا لا رجعة فيه. أما النخب الفرنكفونية، فقد شكلت هذه الصيغة بالنسبة إليها، نصف نجاح: نجاح يعيد بشكل جزئي الفرنسية لتدريس بعض المضامين والمجزوءات في المواد العلمية والتقنية، لكن يضيع بالتقييدات الكثيرة، ويتبدد بوضع الفرنسية واللغات الأجنبية الأخرى في الكفة نفسها، كما يلاحقه التقييم الذي يمكن أن يجهز على مكاسبه..

ولذلك، سجلت مفارقة كبيرة، إذ في الوقت الذي وجدت فيه رئاسة الحكومة (بنكيران) سلاسة كبيرة في ترجمة مقتضيات الرؤية الخاصة بالهندسة اللغوية، إلى مشروع قانون إطار، وتقييده  بالقيود التي تجعل منه التنازل الممكن والخيار الأقل ضررا،  كانت النخب الفرنكفونية، منزعجة تماما من مخرجات “صناعة الإجماع” داخل المجلس، والشكل الذي ترجمت بها في مشروع القانون الإطار. ترجم هذا التوتر صيف السنة الماضية، بخروج وثيقة عن المجلس الوزاري، تخالف الوثيقة التي خرجت من رئاسة الحكومة، ومما زاد في تبئير الأزمة، أن رئاسة الحكومة، أرسلت قبل ذلك، تطلب رأي المجلس الأعلى للتربية والتكوين، فأبدى جملة ملاحظات في قضايا مختلفة، إلا  الهندسة اللغوية، فلم يعلق على المواد المرتبطة بها في مشروع القانون الإطار، مما يعني قناعته بأن هذه المواد تطابق المضامين الواردة في الرؤية  الاستراتيجية.

لا يهمنا النبش في كيفية تغيير نص مشروع القانون الإطار بين رئاسة الحكومة والمجلس الوزاري، فهذا مجاله السياسة وشأن السياسيين، وإنما يهمنا استخلاص الدرس عن الانزياح عن “الإجماع الذي تم صناعته” داخل مؤسسة دستورية.

العدالة والتنمية يتحمل مسؤولية ارتباكه في هذه الأزمة، وأزمته في هذا الموضوع أشبه بأزمة الدولة، إذ تجاوز شرعية المؤسسة، وسمح بقبول توافق يخالف مخرجاتها، من غير أن يلجأ إلى آليات اتخاذ القرار المتطلبة في التعاطي مع القضايا الاستراتيجية، فوجد نفسه على وشك أن يبدد “تباشير” الحوار الداخلي!

الأزمة في شكل “الصناعة”، وحدتها تظهر أكثر في محاولة الانزياح عن التوافقات التي تم “صناعتها”، وفرض مخرجات أخرى لا علاقة لها بحصيلة التوافقات، والضغط على النخب لتبنيها والتسريع بإخراجها واعتمادها.

شارك برأيك