«الفرنسة» مرحليا.. التفكيك أُفقا! – اليوم 24

«الفرنسة» مرحليا.. التفكيك أُفقا!

  • الأحزاب والاحتجاجات… الوساطة والسمسرة

  • لننتبه… من معنا ومن ضدنا!

تُتيح وضعية الارتباك، التي تطبع المسار التشريعي لمشروع القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين، فرصة وجب اغتنامها للمساهمة في النقاش العمومي حول وظيفة اللغة في مؤسسات التنشئة، ومنها المؤسسات التعليمية، بشكل يتجاوز الثنائيات والتقابلات التي يراد لها أن تؤطر هذه الوضعية.

ذلك أن الأمر لا يتعلق بمحاولات بريئة للإقناع بأهمية لغة أجنبية مقارنة باللغة العربية، في الحال وفي المستقبل، ولا بحشد حجج ودفوعات، لتبرير إقرار استعمال هذه اللغة في التدريس لاعتبارات علمية أو اقتصادية، أو تنافسية.

إن اللغة في كل بقاع العالم وعلى مر التاريخ، شكلت القناة المُؤمِّنة لنقل المشترك بين أفراد المجتمع من جيل إلى جيل، مشترك يشكل الهوية والقومية الجامعتين، المميزتين لقوم عن آخر، ولأمة عن غيرها، ولذلك فإن استهداف أي لغة بالتهميش وتضييق الحضور، هو تأسيس لاستتباع حضاري في حالة نجاحه، وتيه حضاري إذا فشل.

ورحم الله محمد عابد الجابري الذي خلص في مقالة بعنوان: «أفكار حول إصلاح التعليم بالمغرب الراهن»، نُشرت سنة 1998، إلى أن موضوع تعريب التعليم ينبغي أن ينظر إليه من زوايا غير التي يروجها الرافضون له، ويناقَش بخلفية وظيفية، تضع اللغة في مكانها ضمن عملية «توصيل المعرفة»، التي تشكل الغاية من التعليم النظامي، وضمن عملية انفتاح وإدماج التعليم في المحيط.

وانتهى الجابري في تحليله، بناء على حقائق وقواعد تاريخية واجتماعية، إلى أن خيار الفرنسة في التعليم بالمغرب سيفشل، لأن وظيفته المتعلقة بتوصيل المعرفة، تقتضي أن يكون عموم الشعب مفرنسا، حتى ينجح الطبيب والمهندس والتقني وغيرهم في أداء مهمتهم على أحسن وجه، وهو الحل المستحيل بالنسبة إلى الجابري، لأنه لا يُتصور أن يصبح المغاربة في يوم من الأيام، شعبا لغته المحلية هي الفرنسية أو غيرها.

وأضاف الجابري، أن موضوع الاندماج في المحيط، أو ما أصبح يشار إليه خلال السنوات الأخيرة بالاندماج في سوق الشغل، يعتبر من الشعارات المضللة المواكبة للإجراءات التي يخضع لها التعليم تحت مسمى الإصلاح، معتبرا أن المشكل الكبير في المحيط العاجز عن توفير فرص الشغل، وليس في بطالة خريجي التعليم، لأن دولا كبرى مثل أمريكا وغيرها تسجل فيها هذه الظاهرة.

أعتقد أن مقالات الجابري ومحاضراته، ما تزال محفوظة ومتاحة للجميع من أجل الاطلاع عليها، والاستفادة منها، في سياق النقاش الدائر حول التعريب والفرنسة، والذي يتطلب الهدوء واستحضار مصلحة الأمة وما يمكّنها من ضمان مقومات البقاء والاستمرار في المستقبل، في عالم تتفكك فيه المجتمعات أمام أعين أبنائها ونخبها.

من زاوية أخرى، وبغض النظر عما تحيل عليه عبارة «التناوب اللغوي» الواردة في الرؤية الاستراتيجية ومشروع القانون الإطار، من أنساق لا مكان لها في المغرب، على اعتبار أن مفهوم التناوب يُطرح في المجتمعات التي تتميز باستعمال لغات متعددة في التواصل اليومي، وهو ما لا يوجد في المغرب، فإن التضييق على استعمال اللغة العربية في التدريس، ومنذ سنوات وبالضبط منذ البدايات الأولى لما يُسمى بالعولمة، لا يمكن إخراجه عن سياق الحرب على مقومات السيادة الوطنية، وفي صلبها القومية الجامعة ومن ضمنها اللغة، لفائدة التمكين للسوق في إطار النظرية الاقتصادية المسيطرة على العالم، وجعله المحرك الأوحد للمجتمع، وهو ما يفرض التعامل مع المجتمع كأفراد معزولين عن بعضهم البعض، لا كجماعة موحدة بهوية مشتركة، تلعب اللغة دورا حاسما في الإبقاء على وحدتها.

وفي إطار هذه الحرب المتواصلة، لطالما استعصى المجتمع المغربي، على محاولات التفكيك، وعزل أفراده عن بعضهم البعض، والتي تجد جذورها في ما يُعرف بالظهير البربري، واستمرت من خلال المحاولات المتكررة لاستهداف الدين الإسلامي بالتشكيك وبالاتهامات الباطلة، وكذلك محاولات استهداف المذهب المالكي، فضلا عن التحرش المستمر باللغة العربية، وظل مقاوما لكل الأساليب المعتمدة، مجترحا ديناميات مضادة، عززت اللحمة بتغذية عنصر الدين واللغة وإنعاش الذاكرة الجماعية، لكن إلى متى ستستمر المقاومة؟

شارك برأيك