لم نكتب النهاية بعد – اليوم 24

لم نكتب النهاية بعد

  • أمهات معتقلي الريف - تصوير حسام أديب

    أمهات معتقلي حراك الريف.. صبرا “إيما حنو”

  • ربما هناك أمل…

رُفعت الجلسة، وانتهت المسطرة القضائية الأولية وأيد قاضي الاستئناف أحكام قاضي الابتدائية. بكل هدوء، وبجملة يتيمة، أعلن من يفترض فيه حماية العدالة عشرين سنة لمظلومين دون أن يكلف نفسه حتى أن يذكر أسماءهم. تلك الأسماء التي ستزلزل حيطان محكمة الاستئناف كلما تم ذكرها في أي مكان في العالم. القضاء قال كلمته، كلمة ظالمة وقاسية، ليست في حق المعتقلين فقط، ولكن في حق كل من يؤمن بأن الحرية أصل وحق وأن مناهضها مستبد ومتسلط. لقد حمل قاضي الاستئناف نعش العدالة ووضعه في حضن أمهات مكلومات حرقن في أبنائهن، أمهات عانين وسيعانين ألم السجن وويلاته فقط، لأن ابنا لهن قرر أن يدافع عن حق أهله، شعبه، أرضه ووطنه. كان يقول أجدادنا: «الرجال الحقيقيون يموتون على أرضهم أو على أبنائهم». هؤلاء اليوم، يسجنون من أجل أرضهم ومن أجل الملايين من أبناء مستقبلنا جميعا. نعم، يعيش هذا الشعب حدادا، حداد الحكرة وحداد العجز، فالصمت أسوأ مما خططته محكمة الاستئناف.  كل من تلتقيه، كل من يكتب تدويناته، كل من يهاتفك، كل من يحادثك، كلهن وكلهم غاضبون مما وقع. غاضبون ليس فقط، من أجل تلك الأحكام، لكن، أيضا، لأنهم يفهمون جيدا أن «ماكينة» القبضة الأمنية أخرجت حقيقتها دون مساحيق التجميل ولن تتوقف. نعم، لن تتوقف لأن ساحة المقاومة عاجزة، رغم الاحتجاجات هنا وهناك، التنديد والتضامن… إلا أن المقاومة واقفة في مكانها، عاجزة وغير قادرة على قلب موازين القوى. المطالب ليست سطورا نخطها كي نتفرج فيها وننتظر أن يعطف علينا الحاكم بها يوما، إنها نضالات كبيرة وتضحيات جسام نقوم بها كي ننتزعها منه بكرامة. الحاكم منظومة متكاملة لها أدواتها السياسية والإيديولوجية، ولها مصالحها الاقتصادية التي تدافع عنها بشراسة بعيدا عن منطق العدالة والعدل. لذلك، فالصراع مع هذه المنظومة يتطلب مقاومات متعددة وعلى مستويات مختلفة تبتدئ من الرفض إلى المطالبة، فالانتزاع.

نعم، إن الحقوق تُنتزع، فهي ليست هبة ولا صدقة، إنها لنا وعلينا استردادها. هذا التراجع النضالي الظاهر اليوم، مرده إما إلى مفعول الترهيب الذي جعل حتى بعض الشرفاء يختارون ممانعة الصمت، وإما إلى ارتفاع منسوب الأنانية الذي جعل كل منا يختار استقراره النسبي والمهزوز بدلا من تحقيق الكرامة الكاملة، أو سيطرة حسابات سياسية ضيقة تجعل من التسابق نحو إرضاء الحاكم أو الانتصار للإيديولوجيا والمواقف الضيقة تنتصر على الوحدة من أجل تحقيق الحرية والكرامة.

نحن الآن، أمام قبضة أمنية محكمة مغلفة بهبة الدولة، تلك الدولة التي ندافع نحن، أيضا، عن قوتها وتماسكها، ولكن مفهوم القوة بالنسبة إلينا ليس هو التسلط والظلم والحكرة، بل إنها الدولة العادلة والحامية لكرامة مواطنيها والحاضنة لحقوقهم وحرياتهم. هذه القبضة الأمنية رغم أنها تظهر قوة الطبقة الحاكمة، لكنها، كذلك، تغطي عن عجز حقيقي للتعاطي مع مطالب الشعب العادلة، خصوصا في مجالات التنمية الاقتصادية وضمان الحريات السياسية.

هذه الاحتجاجات مهمة وضرورية، ولطالما كان الشارع الفيصل في إعادة رسم موازين القوى، لكن في ظل غياب حاضنة وقوة سياسية حقيقية تحسم الصراع كلما تحقق التراكم النضالي سنعود دائما إلى نقطة الصفر. ذلك الصفر الذي يعيدنا في كل مرة لسنوات الرصاص، للغة القمع، ولتأدية الثمن عشرين سنة سجنا في كل مرة. لا أعلم إن كانوا سيمضون كل تلك السنوات في السجن، ولكني مقتنعة تماما، بل ومؤمنة أن صمودهم سيحقق العدالة ليس فقط، في ملفهم، بل في كل الملفات التي تنتهي عند باب الكرامة. هذا الصمود ليس انتصارا لهم، بل انتصارا لكل جيلنا وللجيل الذي بعدنا، انتصارا يقول بأن هذا الشعب لن يُدجن، ولن يركع ولن يخضع، مادامت عروق المقاومة تنبض بدواخله. ولا بد لهذه العروق أن تنهض أكثر لتعلن تمردها على الحكرة التي مارسوها في حقنا، في حق أمهاتنا وفي حق هذه الأرض التي مازالت قبورها لم تعلن عن أسماء وعن طريقة تعذيب ودفن الكثيرين ممن دافعوا عن كرامتها. أقول لأولئك الذين حملوا ذلك الرقم شرفا على أكتافهم، تلك الزنازين ستخجل أن تقفل في وجوهكم، فصوت الحرية لطالما انهارت أمامه جيوش من السلاسل والقيود. وأقول لأولئك الذين يتلذذون بمعاناة وعذابات الشعب أنتم تعلمون أكثر من أي كان أنكم ظالمون وعاجزون، بل منهزمون أمام كل هذا الإيمان والصمود. التاريخ لم يذكر الجلاد يوما إلا ليلعنه وذكر دائما المظلوم كي يكرمه. تلك الأسماء أصبحت رموزا، وعناوين للتضحية ودروسا لكل من سولت له نفسه أن يستبيح كرامة المغاربة. أكتب بكل ألم، لكن بالكثير من الأمل كي ينتصر صوت الحكمة عندنا جميعا، وأن يصحح مسار هذا الملف، وأن يتم وضع سكة التنمية وبناء الديمقراطية في طريقها الصحيح، كي نفتخر بوطننا وبأرضنا في كل العالم. أطلقوا سراحهم… سراحنا… وسراح الوطن. انتصروا لصوت الحقيقة… فالقمع لا يزيد إلا من فضح حقيقة الاستبداد… والحل لا يمكن أن يكون إلا بالحوار وبناء الديمقراطية، وما دون ذلك مجرد «ماكياج» لن يصمد طويلا حتى تنمحي مساحيقه.. فالمقاومة لغة لا يوقفها حتى غدر الزمان… فما بالكم بتعميم الاعتقال..

أريحونا من كل هذا البؤس والألم والحزن… واجعلونا نستنشق القليل من الحرية.. فالنفس ضاقت بكل هذا الاختناق المحيط بنا .

شارك برأيك