ماذا تبقى من الاتحاد الاشتراكي؟ – اليوم 24

ماذا تبقى من الاتحاد الاشتراكي؟

  • «البام»: أزمة حزب أم أزمة نسق؟

  • إصلاح الأحزاب أو المجهول

لست أدري ما الذي دعاني اليوم، إلى تذكر محاضرة المناضل عبدالرحمان اليوسفي، التي ألقاها في بروكسيل سنة 2003، أي بعد خمسة أشهر تقريبا، عن الانزياح عن المنهجية الديمقراطية، وتعيين إدريس جطو بُعيد الإعلان عن نتائج انتخابات 2002 التشريعية.

محاضرة لخصت تجربة أخرى من تجارب الإصلاح المحبطة، وألقت كثيرا من الضوء على ما سمّاه اليوسفي بـ»القوة الثالثة» وأشكال اشتغالها منذ الاستقلال إلى لحظة إحباط تجربة التناوب، كما حاولت اختبار قدرة القوى الوطنية والديمقراطية على الإجابة عن سؤال الانتقال من”التناوب التوافقي” إلى”التناوب الديمقراطي”.

كان يفترض من حزب وطني ديمقراطي، سمته طرح السؤال التقييمي والنقدي على مساره النضالي، أن يحدد موقعه اليوم، مما طرحه اليوسفي بالأمس، أو على الأقل أن يستأنف النظر في سؤال الانتقال الديمقراطي، مستحضرا المفاهيم الديمقراطية التي ساهم الاتحاد في نحتها نحتا، والاشتغال على سؤال إعادة ترسيخها، لا سيما ما يتعلق بالمنهجية الديمقراطية، ومقاومة القوة الثالثة، والمركب المصلحي الذي تشكله، وشبكات العلاقات التي تقيمه، والاختراقات التي تشتغل عليها، بما في ذلك اختراق الصف الوطني الديمقراطي، فضلا عن التحالفات الوطنية والديمقراطية التي تعين على بلوغ الرهانات التي تحدث عنها اليوسفي في محاضرته التقييمية.

تهمني هنا المقارنة لإلقاء الضوء على الأفق الذي بلغته الأزمة داخل الاتحاد الاشتراكي، فقيادة الحزب اليوم، من خلال تصريحاتها المثيرة، تدعو إلى تعديل الفصل 47 من الدستور، وتنتصر لوجهة نظر «القوة الثالثة» في التعاطي مع نتائج الانتخابات، وكيفية ترجمة الإرادة الشعبية إلى إرادة سياسية ديمقراطية.

في الحقيقة لا يهمني أن أتوقف كثيرا عن الخلفيات التي دفعت إدريس لشكر إلى الدعوة إلى تعديل الفصل47 ، لجهة العدول عن المنهجية الديمقراطية، ومأسسة «البلوكاج»، الذي برر إزاحة رئيس الحكومة المعين عبدالإله بنكيران من منصبه، بقدر ما يهم تسجيل ملاحظتين اثنتين: الأولى، أن مطلب «القوة الثالثة»، لم يتم التعبير عنه هذه المرة من خلال أدواتها التقليدية وتجلياتها السياسية المعروفة، بل يتم التعبير عنه من خلال الحزب الذي شن هجوما شديدا على الانزياح عن المنهجية الديمقراطية، وهي طريقة «القوة الثالثة» في تلويث الأحزاب الوطنية، ووضعها في مأزق أخلاقي وقيمي وسياسي.

الثانية، أن الاتحاد بدل أن يشتغل على استئناف النظر في الأسئلة التي أفرزها مساره الطويل، من قبيل سؤال الانتقال من التوافق إلى الدمقرطة، أويشتغل على الأقل على طرح أسئلة جديدة قريبة من سابقاتها ومقترنة بسؤال تفكيك القوة الثالثة، وتقوية جبهة الإصلاح، لم تعد له أسئلة أصلا، فضلا عن أن تكون له أجوبة، فصار مشتغلا بأسئلة «القوة الثالثة» نفسها، وأشكال صياغتها، وطريقة طرحها في السياق السياسي، وإضفاء غطاء سياسي شرعي عليها، بل إنه أعفاها بالمطلق حتى من التفكير في طريقة تفعيل آلياتها التقليدية من أجل تنفيذ أجوبتها، فحل الاتحاد محل هذه الأدوات، فصار أداة لنسف أسئلته القديمة، يقوم بمهمة السكرتارية التنفيذية للقوة الثالثة. أتذكر عقب انتخابات 2007، وفي غمرة الخلاف السياسي الحاد حول تقييم الاتحاد لهذه المحطة، لقاء خاصا جمعني بالأستاذ إدريس لشكر، أتحفظ عن ذكر تفاصيله، الحماس الذي كان يبديه لنمط الاقتراع اللائحي، إذ كان يعتبره الأداة الفعالة لانتصار إرادة القوى الديمقراطية وهزيمة تجار المال. واليوم، أنظر إلى تصريحاته ودعوته للعودة إلى نمط الاقتراع الفردي، فأدرك أن «القوة الثالثة» اليوم، مرتاحة جدا، بعدما أصبحت مدرسة الاتحاد تدافع عن مطالبها لهزم السياسة.

لا يهم في الحقيقة تقييم تصريحات لشكر من زاوية انتخابية، ولا حتى من زاوية سياسية، وما إذا كان المقصود توظيف الاتحاد لخلق عوائق دستورية تضع نهاية لتجربة العدالة والتنمية، إنما الأهم في نظري هو البعد الرمزي في الموضوع. فـ»القوة الثالثة»، باصطلاح اليوسفي، لا يكفيها أن تهزم الإصلاحيين، ولا حتى أن تحقق نقاطا لصالحها على الأرض، بقدر ما يهمها، أن تهين القوى الإصلاحية، وأن تراها تنقلب على شعاراتها وأسئلتها وأجوبتها، وتنخرط طوعيا في التعبير عن مصالح هذه القوة، وتتحول إلى أداة لتحقيق أحلامها ورهاناتها، بعدما كانت بالأمس تعتبر أنها العائق الأكبر أمام عملية الدمقرطة في البلاد.

شارك برأيك

رشيد

وماذا تبقى من العدالة والتنمية وماذا تبقى من الانتقال الديمقراطي,,,,,
لا شيء

إضافة رد