ضرورة التوازن بين الصوامع والمداخن – اليوم 24

ضرورة التوازن بين الصوامع والمداخن

  • في النضال الأسْلَم والراتب الأدْسَم

  • الدفاع عن حقوق المغاربة أم عن حلاوة السلطة؟

يحتاج الإنسان، لكي يحيا حياة جديرة بكرامته الإنسانية، إلى غذاء مادي، وغذاء روحي، وغذاء فكري، وغذاء هوياتي إلخ. إذا كان الغذاء الهوياتي له وجود قبلي وبعدي عن الانتساب التاريخي والانتماء الاجتماعي، فإن الأغذية الأخرى كسْبية؛ يكتسبها الإنسان من خلال تفاعله مع أعضاء مجتمعه، ومع مكوناته؛ فالإنسان ابن بيئته كما عبّر عن ذلك الحكماء منذ أقدم العصور، وتنعكس عليه كل ما ابتكرته عقول المفكرين والعلماء بمختلف تخصصاتهم ومجالات اهتماماتهم وانشغالاتهم، وما حوته تجارب أولئك الذين عرفوا أغوار الحياة الاجتماعية وأسرارها، وهم «الخبراء والحكماء». ويترجم كل ذلك فيما يُطلق عليه الغذاء الفكري للأفراد والجماعات، ويظهر، بالتالي، في الصبغة العامة التي يتميز بها فكر شعب من الشعوب؛ كالصبغة العقلانية، فكرا ومنهجا مثلا، أو الصبغة التجريبية، أو البيانية والخطابية إلخ…

أما الغذاء المادي، المتمثل في تلبية الحاجات الأساسية لمعيشة الإنسان في حياته، أفرادا وجماعات؛ فيُعد عنصرا ضروريا لرفاهية المجتمع وسعادة أعضائه، من خلال توفير الشغل الشريف للجميع، الذي يضمن لهم العيش الكريم، ويحفظ لهم كرامتهم من الذل والهوان. ويعتبر الغذاء المادي، الذي يمثله الإنتاج الزراعي والصناعي والخدماتي بصفة عامة، مع الغذاء الروحي، الذي يمثله الدين في مختلف تمثلاته ومظاهره وطقوسه، قطب رحى الحياة الاجتماعية المتوازنة. ولذلك، تعد المعامل والمصانع أهم مظهر الغذاء المادي في المجتمعات المعاصرة، وتعد دور العبادة أهم مظهر للغذاء الروحي في كل المجتمعات. وتقوم المساجد ولواحقها في المجتمعات الإسلامية، ومنها المغرب، بهذه المهمة. ولا غرابة، إذن، أن تحمل المساجد صفة بيوت الله. ونعتقد بأن التفاضل بين التغذيتين، أمر لا يمت بصلة لا إلى عقيدة دينية، ولا إلى مذهب اجتماعي رصين.

وقد يزعم البعض أن التغذية الروحية في الأنظمة السياسية العلمانية لا أهمية لها. لكننا نعتقد بأن من يذهب هذا المذهب يختلط عليه مفهوم فصل الدين عن السياسة، ويغيب عنه أن المجتمعات الإنسانية ليس بوسعها الاستغناء عن الحياة الروحية، بل إنها لا تستطيع أن تمارس حياتها بدونها. أما ما يبدو من محاولة استغناء أحدهما عن الآخر، فإنه مجرد صراع من أجل الهيمنة المنفردة والقيادة المتحكِّمة؛ وهو صراع قديم بين ما يطلق عليه «المثالية» و»المادية».

ولايزال البعض عندنا ينظر نظرة غير متكاملة إلى مختلف أنواع التغذية التي يحتاجها المغاربة بخاصة. ويعتقد بأولوية تغذية بذاتها عن الأخرى، كالتغذية الروحية، المعبر عنها بانتشار صوامع المساجد، على حساب رموز التغذية المادية التي تقدمها المعامل والمصانع المنتجة للشغل والرفاه الاجتماعي. ولذلك تصادفنا صوامع المساجد حيثما توجهنا في المدن والقرى والمداشر. في حين أن «مداخن» المصانع ويافطات المعامل لا تصادفنا بالكيفية نفسها التي تقابلنا بها صوامع المساجد. ونعتقد بأن غياب مصادر العيش الكريم يؤدي حتما إلى اختلال في رسالة المساجد نفسها، وانحراف في الفتاوى الدينية، وتدهور في المنظومة الأخلاقية، وتصعلك في الحياة الاجتماعية.

وتحضرني هنا الاتهامات الموجهة إلى فتاوى رجال الدين بأنها وراء استسلام الناس لشقائهم وبؤسهم بصفته قضاء وقدرا. فهل كانت وظيفة إقناع الناس بقبول بؤسهم، والإيحاء لهم بعدم جدوى مطالبتهم بحقوقهم في العيش الكريم، وسيلة كي لا يكون خروجا عن طاعة أولياء أمورهم، ومروقا من الدين الحنيف، أو دعوة للفتنة التي هي أشد من القتل. وربما كان ذلك مسوّغا كافيا لاستنتاج صاحب «المادية التاريخية»، كارل ماركس، قولته الذائعة الصيت: «الدين أفيون الشعوب»؟

وهل ضعف مصادر العيش الكريم، أو غيابها بالكامل، أو ما يمكن وصفه باختلال التوازن بين الغذاء الروحي والغذاء المادي هو وراء مقولة محمد بن عبدالكريم الخطابي الشهيرة: «إنني مؤمن بالإسلام، وأقوم بشعائر ديني، ولكنني أريد أن أرى مداخن المصانع في بلادي أكثر من صوامع المساجد»؟ وبعد مضي حوالي قرن من الزمن عن مقولة الخطابي لايزال بلدنا يعاني خللا كبيرا في توازنات تغذيته. وقديما قال المغاربة: «الفران قبل الجامع». وقالوا، كذلك: «اشحال يقدّك من استغفر الله يا البايت بْلا اعشى».

شارك برأيك