العسكري الإسلامي – اليوم 24

العسكري الإسلامي

  • أعجوبة الزمان

  • سِجن «أخبار اليوم»

يُروى أنّ أبا كرطونة، يصبح إسلاميا، كلما تواصل مع قادة الإخوان المسلمين، يصر على التزامه بالصلاة في وقتها، يحرص على صيام النوافل، يواظب على قراءة القرآن، لا يفتر لسانه من ذكر الله، يشرق وجهه خجلا وتواضعا، يبدو كالوجوه المتوضئة، التي ميسمها دينار الصلاة.

وقع الرئيس السابق محمد مرسي في فخ أبي كرطونة، وأطلق وصفه الشهير: «احنا عندنا رجالة زي الذهب»، ويشير بيده من على المنصة إلى أبي كرطونة، الذي كان يتكئ بخده الأيمن على يده اليمنى. صدق الإسلاميون أن السيسي إخواني الهوى، مندس في الجيش، وكانوا يبوحون له بالصغيرة والكبيرة، إلى أن تم تعيينه رئيسا للدفاع، يجر خلفه تجربة استخباراتية بالغة الأهمية.

نجح «الخداع الاستراتيجي»، وظهر السيسي في دور الجنرال الدموي، فحبس وقتل، من فرح بتدينه، وبدينار الصلاة في جبهته، الذي أصبح علامة رصاصة اخترقت جباه من رفضوا الانقلاب. انطلق يلعب لعبة الخداع، قائلا لشعبه بلغة عاطفية: «أنتم مش عارفين أنكم نور عينينا ولا إيه»، قالها مبتسما خجولا، وكأنه سيتقدم لخطبة فتاة من ولي أمرها، ولا يستطيع أن يعبر عما في قلبه من مشاعر الحب، الذي ظل يكابده لسنوات، إلى أن جاءت لحظة الوصل، فباح بكل ما في قلبه، دون أن يتحرر من خجله.

خرجت فئة واسعة من الشعب، تشيد بأدب وأخلاق الرئيس وخجله وحبه، وكأن الذي يحتاجونه، أن يقف رئيس في المنصة، ويقول بحنو: «أحبكم، أعشقكم، لو استطعت، لقبلتكم بقبلة عطف وحنان…». سمعها الشعب، شعر بنشوة غامرة، تخترق كيانه، إلى أن تفاجأ بازدياد البطالة، وارتفاع الأسعار، وانتشار الأمراض، وشيوع الظلم، وسجن الناس، وتهجير الشباب، وبيع الأرض..

اكتشف بعد مدة من الزمن، أن العلاقة بين الرئيس والشعب، لا تُدار بالعواطف، بل العلاقة مبنية على دستور وبرنامج سياسي، وبعد كل ولاية رئاسية، يقدم الرئيس منجزاته، ويخضع للمحاسبة، ويخرج الشعب ليمارس حقه الديمقراطي في انتخابات نزيهة، ليقول القول الفصل. حينما أدرك ذلك، كان أبو الكرطونة السيسي قد سيطر على المشهد، بتجويع شعبه، وتخويفه بالقتل والسجن، فطلب من الشعب أن يصوت «بنعم» على تعديل الدستور، مقابل كرطونة زيت وسكر، مستعملة أجهزته الترغيب والترهيب، ليضمن رئاسته إلى سنة 2030.

هكذا القصة، تبدأ بالخداع، تمثيل دور يستميل خصومك، فيظنوا أنك منهم، ثم اللعب على عواطف الشعب. عمر البشير الرئيس السوداني المخلوع، التلميذ العاق لأستاذه حسن الترابي، سار على المنوال نفسه، استعمل الإخوان المسلمين في انقلاب 1989، وتظاهر بإسلاميته المثيرة للدهشة. نشرت مجلة فلسطين المسلمة – المقربة من حركة المقاومة حماس-في يناير 1992 حوارا مع عمر البشير، وكانت مقدمة الحوار وصفا دقيقا، لما رآه الوفد حين نزوله في مطار الخرطوم، حيث لفت انتباهه عدم وجود أي صورة للرئيس، فعبروا عن اندهاشهم، غير أنهم راحوا يتوقعون أن الصورة، ستكون في أماكن أخرى، وفوجئوا بعدم وجودها في أي مكان، حتى في القصر الجمهوري الذي تم فيه الحوار.

كان الوفد الصحافي الإسلامي منبهرا، وشعر أن الرجل استثناء، من بين كل رؤساء الدول العربية، الذين صورهم منتشرة في الفضاءات العامة والخاصة. ظل الوفد يتساءل عن سر هذا التصرف الرئاسي المثير للانتباه، وقرر أن يسأل العقيد صلاح كرار، عضو مجلس قيادة الثورة، عن سبب غياب صوره في السودان، فكانت الإجابة مدهشة، كاد الوفد الصحافي، أن يرفع أفراده السبابة قائلين: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله»، حيث قال لهم بنبرة خاشعة، تقطر إيمانا وتتذللا: «إن ولاءنا هو لله وحده، وليس ثمة ولاء للأشخاص، وعدم وجود صور الرئيس هو بناء على رغبته».

إنه وهم الخلافة الإسلامية يرى النور من السودان، فلم يخف الوفد اندهاشه، حينما علم أن البشير كان صائما، وأخبرهم مساعدوه، أنه يصوم الاثنين والخميس، ذكر كاتب مقدمة الحوار: «كان دافئا معنا–عمر البشير- مثل شمس الشتاء في الخرطوم… بشاشة وتواضع لا يمكن تصورهما في قائد ثورة عسكرية».

نشرت المجلة الحوار، لتبشر إسلاميي العالم، بميلاد نموذج حاكم قال لهم في حواره، ورجعوا مسرورين: «لقد اخترنا شرع الله منهاجا لنا وهاديا، ولن نساوم على هذا الخيار مهما كانت العقبات والتحديات، إنهم يحاربوننا من أجل هذا الخيار، ولكننا ماضون بإذن الله».

مرت ثلاثين سنة، أسقط الشعب العسكري الذي استغل الدين، فجوع السودانيين، وقسم البلد. عرفوا أن رئيسهم المؤمن، في منزله ملايين الدولارات. أصبحت صورته منتشرة في العالم، لأنه لم يكن ولاؤه لله، بل كان لنفسه. مهما طال الزمن أو قصر، سيعرف أبو الكرطونة السيسي المصير نفسه، فمن جاء بالخداع والانقلاب، لن يخرج إلا ذليلا أو قتيلا. لكن صدق إريك دورتشميد، الذي ألف كتابا عنوانه: «دور الصدفة والغباء في تغيير مجرى التاريخ»، تفشل ثورة أمة بتحالف الأغبياء والمخادعين.

شارك برأيك