اسماعيل حمودي يكتب.. رسائل خاطئة – اليوم 24
اسماعيل حمودي
  • اسماعيل الحمودي

    إسماعيل حمودي يكتب: الكركرات تكسر الوهم الجزائري

  • اسماعيل الحمودي

    إسماعيل حمودي يكتب: وعود بايدن الحالمة

  • إسماعيل حمودي يكتب: أمريكا على المحك

الرأي

اسماعيل حمودي يكتب.. رسائل خاطئة

منذ بداية الموجة الثانية من الربيع العربي، خصوصا في الجزائر، توقّع كثيرون أن يلتقط الماسكون بالسلطة في بلادنا الدروس بسرعة، ويخففّوا من قبضتهم الثقيلة على الأنفاس والأرزاق، لكن يبدو أن الرسائل التي بعثوا بها، حتى الآن، من خلال تأييد الأحكام الابتدائية الصادرة في حق معتقلي حراك الريف، ومضايقة الحقوقي والجامعي المعطي منجب في رزقه بعد حريته، واستمرار التضييق على أرزاق العاملين في «أخبار اليوم»، كذّبت تلك التوقعات، وأظهرت أن هناك إصرارا على الاستمرار في تبني النهج نفسه، أي الانتقام من كل من يجرؤ على قول «لا» للسياسات والاختيارات السلطوية القائمة.

هناك تفسير محتمل لسلوك السلطة المتعجرف هذا، مفاده أنها تسعى إلى إظهار التماسك والشدة، لأن أي موقف منها يُفهم منه أنها خائفة مما يجري في المحيط الإقليمي، قد يشجع منافسيها، قبل خصومها وأعدائها، على تكرار السيناريو نفسه، أي نقل المعركة معها إلى الشارع، خصوصا أن الوضع الاجتماعي مأزوم ومرشح للانفجار في أي لحظة، وتقتضي «الحكمة» ومتطلبات «هيبة الدولة» عدم إظهار أي ضعف في سياق الأزمة، لكي لا تنفلت الخيوط من اليد، وحينها قد ينتقل ما يحدث في الجزائر إلى المغرب بالفعل. الفكرة، إذن، أن سياق الأزمة في الداخل والمحيط الإقليمي يقتضي إظهار الصلابة والشدة في الموقف والسلوك، لا العكس، لأن عقل السلطة عندنا يعرف جيدا أن إظهار اللين في غير موضعه يُفهم ضعفا، وقد يغري الخصوم بالركوب على الموجة والأزمة معا. ومما يمكن استنتاجه من هذا التفسير، أن السلطة تدرك خطورة الموقف، والدليل أنها تحرص كثيرا في أكثر من ملف (الأساتذة المضربون عن العمل مثلا) على تجنب التصعيد درءا للمزيد من التوتر، وبالتالي، فهي تنتظر الفرصة المناسبة لمراجعة الأخطاء التي وقعت، سواء في ملف حراك الريف، أو ملف الصحافة وحرية التعبير، وغيرهما.

بخلاف ذلك، يرى آخرون، في تفسير ثان، أن «الرسائل الخاطئة» المبعوث بها من سراديب القضاء، هي نتيجة لتآكل وتراجع دور وتأثير «الفاعل السياسي» لصالح «الفاعل الأمني» وأدواته، والذي يسوّق وَهْما مفاده أنه قادر على ممارسة «الضبط» بكل أشكاله في وجه من يجرؤ على النقد ورفض الخيارات المُنزّلة، بل وتحقيق النجاح في مهمة «الضبط» تلك، بدليل ما تحقق في ملف احتجاجات الريف. وبالطبع، ينطلق هذا «الفاعل المتحكم» من مقدمات مفادها أن «الأصوات المزعجة» مجرد أقلية معزولة دون تأثير، لو اعتقل كل أفرادها فلن يخرج وراءهم أحد، ولن يسأل عنهم «ترامب» ولا «ماكرون»، ماداموا يقبلون بأشخاص مثل «السيسي» في مصر، و«حفتر» في ليبيا. قد تحدث «شوشرة» صغيرة في «الفايسبوك» ثم تنطفئ مع الوقت. والخلاصة أن أصحاب هذا الطرح يعتقدون أن الدولة أخطأت سنة 2011، حين استجابت لقسط كبير من مطالب حركة 20 فبراير، وينبغي ألا يتكرر ذلك مجددا، بل ينبغي إظهار «العين الحمرا» لكل من يجرؤ على الكلام مرة أخرى.

يصعب ترجيح أحد التفسيرين، لأن التفسير الأول يتطلب بعض الوقت للتأكد من صحته، لكن تأييد الأحكام الابتدائية ضد معتقلي حراك الريف، وتأييد الحكم الابتدائي ضد الصحافي حميد المهداوي، وتحريك مسطرة العزل ضد الأستاذ الجامعي المعطي منجب بحجة التغيب عن العمل، وقبل ذلك إدانة الصحافي توفيق بوعشرين بـ12 سنة سجنا نافذا، تدفع الكثيرين إلى الاعتقاد بأن الماسكين بزمام السلطة مصرون على المضي نحو مزيد من خنق معارضيهم، في حرياتهم، وفي أرزاقهم كذلك.

لكن، إلى متى تستمر سياسة الخنق هذه؟ خلال 20 سنة التي حكم فيها نظام الرئيس المخلوع، عبد العزيز بوتفليقة، الجزائر، كان الاعتقاد الشائع لدى السلطة ومعارضيها أن الجزائريين لم يتخلصوا من «إرهاب العشرية السوداء»، وأن الخوف من تكرار المأساة نفسها، كان وراء عدم مشاركتهم في احتجاجات الربيع العربي سنة 2011، فضلا عن سياسة الريع والزبونية التي جعلها بوتفليقة أسلوبا في الحكم، لكن، في لحظة محددة، سقطت كل تلك التفسيرات أرضا، لأن الجزائريين شعروا بأن كرامتهم أهينت من لدن الرئيس وجماعته، فخرجوا بالملايين إلى الشارع، وهم الآن يضغطون بكل وعي تاريخي لإزاحة كل رموز النظام جانبا نحو السجون. لقد أظهر الشعبان الجزائري والسوداني قدرة الشعوب العربية على التعلم من بعضها البعض، ولا يبدو أن كرامة الشعب المغربي أقل من ذلك، أو أنه قاصر عن التعلم بدوره مما يجري حوله، فاحذروا.

شارك برأيك