هل أدمجوك أستاذي العزيز؟ – اليوم 24

هل أدمجوك أستاذي العزيز؟

  • مفكرو العدالة والتنمية

  • لغة الملك

لم أر تلاميذي الأعزاء منذ شهر ونصف، اشتقت إلى سماع هذه الكلمة، برنة جماعية، تختلط فيها أصوات الذكور بالإناث: استاد، استاد… استد، استد. تجيب التلميذة إجابة صحيحة، فأعلق عليها قائلا: حسن جدا. تتقدم بحماسة لتكتب الجواب على السبورة، وأتابع ما تكتب، ثم ترجع إلى مكانها. أظل أفكر في سؤال آخر، يبعث الحيوية في تلاميذي..

كنت بجسدي في معترك النضال، لكن روحي مكثت في القسم، تطوف بين جدرانه، تتأمل وجوه التلاميذ الحالمين بمستقبل زاهر. أتذكر تلك التلميذة التي تأتي إلى القسم قبل الجميع، وتسلم عليّ، وتجلس في مكانها، وتخرج دفاترها والمقرر المدرسي. تلتحق بها صديقتها، وتقوم بالأعمال نفسها. تلميذتان في الصف الأول، ينتظران مني، أن أشركهما في بناء الدرس، فتجيبان عن أسئلتي. لكنها هي وحدها، التي تبهر الجميع، بطلاقة لسانها، وقوة تعبيرها، وجمالية خطها، واحترامها لأستاذها..

لم تغب عني لحظات التدريس، وما تجلب لي من متعة، يصعب وصفها. ترى التوتر على وجوه التلاميذ، يردون فهم مسألة من مسائل الدرس، وفجأة، يشرق نور الفهم في الوجوه، فتفتر الشفاه عن ابتسامة اطمئنان. ويا لها من متعة، إنها لا تقدر بثمن.

كان الوزير أمزازي يستفزني بتصريحاته الباردة، وما يزيدني خوفا وقلقا، بيانات الوزارة، التي كنت أقرأها وأعيد قراءتها، لأرى هل استجابت لمطلبنا الجماهيري الذي لا رجعة عنه: «لا للتعاقد، نعم للإدماج». أجد نفسي بعد القراءة غاضبا، فأفتح صفحتي الفيسبوكية، وأنشر تدوينات الغضب، وأحرض زملائي على مواصلة النضال، فيتفاعلون معي بحماسة، معلقين: الموت ولا المذلة، الصمود، الإدماج أو الاستشهاد، تحية نضالية للجماهير الأستاذية…

انخرطت بعقلي وقلبي في نضالات «التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد»، استجبت لكل دعوات الإضراب دون تردد، وشجعت الكثير من الأساتذة عليه. كنا نجلس الليالي ذوات العدد، نناقش أفق معركتنا النضالية. كنت مؤمنا بأننا سننتصر في معركتنا، وسنحقق مطلب الإدماج، إذا ما أضربنا عن العمل لمدة شهر واحد، لأن عددنا، يعد بعشرات الآلاف، وبذلك، سنجعل الوزارة تخضع صاغرة لمطلبنا، فينهار كبرياؤها، وتسمع بآذان مفتوحة لما نريد.

كانت سعادتي لا توصف، حين أرى الآلاف من الأساتذة يملؤون شوارع الرباط، ويرفعون شعارات ضد التعاقد. تحمست كثيرا لمواصلة الإضراب، لأن اعتصاماتنا، وإنزالاتنا كانت تشل خطط قوات التدخل السريع، لفض الأشكال النضالية، بسبب عددنا الغفير، أمواج من نساء ورجال التعليم.

أتذكر الآن، تلك اللحظة، التي رأيت فيها بأم عيني، أستاذة تقف في وجه شرطي يرفع هراوته في وجهها، وقفت ولم تفر ولم تجلس، بل ظلت واقفة وهي ترفع شارة النصر، وتردد: سلمية، سلمية… كاد يضربها على فخذها الأيمن، لولا تدخل الضابط، حذره من فعلته، ثم وضع يده اليمنى على كتفها، وقال لها: الله يرضي عليك، انصرفي…

تنفجر انفعالاتي، حين أرى الشاحنة القاذفة للمياه، إذا تراجع المناضلون والمناضلات إلى الخلف، أتقدم أمام الشاحنة، وأخاطب سائقها، ليتوقف، لكنه يقذفني بالماء، فأجد نفسي، مرميا على الأرض، تكاد عظامي تتكسر، وتبلل كل ملابسي، التي أخلعها بعد نهاية الاعتصام، وأرتدي أخرى، تركتها عند صديق لي.

باغتتني الكثير من الخيالات، حين كنت أركض وأصرخ في الشارع، كانت تُمتعني قوة الجماهير الأستاذية، وراح خيالي، يلاحق صورا، لحراك مغربي مقبل، يخرج فيه الشعب ليقول كلمته في مستقبل البلد. كنت أشارك، وأقول في نفسي: إنك تقدم نموذجا للشعب، فاصمد ولا تتخلف عن ركب النضال والمقاومة. كانت الوزارة ذكية، تنازلت قليلا، وعدلت بعض بنود التعاقد، فاخترنا المزيد من التصعيد، إلى أن نرغم الوزارة على الاستجابة لمطلب الإدماج. تجاوز نضالنا الشهر، استعمالنا جميع أوراق الضغط. فجأة، تسرب إليّ شعور الإحباط، لأن تصعيدنا تستقبله الوزارة ببرود، وكأننا غير موجودين في ساحة النضال.

بدأت تراودني أسئلة، أذهبتِ النوم عني، أقول في نفسي: بماذا سأجيب إذا سألني التلاميذ: «هل أدمجوك أستاذي العزيز؟». فكرت في إجابات كثيرة، لكنها لا يمكن أن تقنع التلاميذ، إجابات طويلة ومركبة، والتلميذ ينتظر إجابة واضحة: نعم أو لا. شعرت بالرعب، حين تخيلت، أنني أجيبهم بقولي: لا. فيعلقون قائلين بحزن: ولماذا هذا الغياب، لا أنت ولا نحن استفدنا؟

استقبلني تلاميذي يوم الاثنين بالحلويات والمشروبات، وقد كتبوا على السبورة: لا تحزن إننا معكم. جاءتني تلك التلميذة، التي اشتقت لتدريسها، وأهدتني باقة ورد، لم أتمالك نفسي، عانقتها، ثم سمعت زغرودة قوية. مسحت دموعي فقلت: أحبكِ –عفوا- أحبكم. انفجر القسم ضحكا.

شارك برأيك