عودة إلى الفصل 47 – اليوم 24

عودة إلى الفصل 47

  • الفرنسة وأوهام مواجهتها

  • بلال التليدي

    أفكار الضرورة أم أفكار النفق المسدود؟

النقاش الذي أثارته بعض النخب حول تعديل الفصل 47، يتطلب أن نقف عند بعض خلفياته، وأن نقرأ من خلاله سلوك النخب السياسية بمختلف مواقعها، ونستخلص منه الدروس الضرورية.

في مقال سابق، وقفنا عند دلالات صدور مطلب التعديل من بعض القوى الديمقراطية التي عرفت بنضالها من أجل احترام المنهجية الديمقراطية، لكن اليوم، نريد أن نتوقف عند الطريقة التي تم بها الجواب عن هذا المطلب من طرف القوى الديمقراطية، التي لاتزال تعتبر المنهجية الديمقراطية صمام أمان للنموذج الديمقراطي الناشئ والمتعثر.

موقف الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، كان منسجما مع المفترض في القوى الديمقراطية، فبعدما أشار إلى السياق السياسي الذي اندرج فيه مطلب التعديل، اعتبر أن تعديل الفصل 47 من الدستور، “ستكون له تداعيات جد سلبية على مسار البناء الديمقراطي” وأن قصده “إضعاف “الأحزاب السياسية الجادة” و”توجيه الانتخابات”، ووصف الدعوة إلى التعديل في هذا السياق السياسي، بكونها تحمل “قصدا غير نبيل”.

غير أن المثير حقا في تعاطي النخب السياسية، هو الطريقة التي تعامل بها الأمين العام للعدالة والتنمية، والتي حاولت أن تشغل الذكاء السياسي في منطقة ملتبسة تقتضي كثيرا من الوضوح والحذر، إذ ليست المشكلة في قراءته لسياق الدعوة، فهذه نقطة قوة بالنسبة إلى خطابه السياسي، الذي يعتبر الدعوة إلى التعديل بمثابة شهادة يأس القوى السياسية المنافسة من إمكان تصدر الانتخابات، وأنها بدلا من أن تنمي قدرتها على التأطير والاستقطاب، تتجه إلى حيل دستورية لتبرير عجزها من التنافس السياسي.

إلى هذه الحدود لا مشكلة في خطاب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، بل بالعكس من ذلك تماما، فالقراءة التي قدمها لمطالب التعديل، تضفي نوعا من الشرعية على عدم استنفاد الرصيد الشعبي لحزبه، وأنه بالإمكان أن يستمر في تصدره للمشهد السياسي.

المشكلة توجد في الشق الثاني من خطابه، والذي حاول فيه أن يقنع بعدم الجدوى من تعديل الفصل 47، إذ تحدث في ندوة جمعته بفروع حزبه بالخارج بإيطاليا، بأن مضمون هذا المطلب موجود في الدستور، وأن الوثيقة الدستورية ليس فيها ما يمنع من تعيين شخص من غير الحزب الذي تصدر المشهد السياسي، محيلا في ذلك إلى نص البلاغ الملكي الذي تم فيه تعيينه رئيسا للحكومة.

الإحالة ليست من الدستور، ولا من ديباجته، وإنما هي تأويل له، ومع ذلك، فهذا التأويل نفسه، لا يحمل أي مضمون يشير إلى الفهم الذي استنبطه  الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، فتأويل «الاختيارات الأخرى» التي وردت في البلاغ الملكي، بهذا الشكل، يكرس فهما تقليدانيا للدستور، يفرغه من مضمونه الديمقراطي، ويضفي عليه أبعادا سلطانية، وأغلب الظن أن المقصود بهذه «الاختيارات» ما يتيحه الدستور من سيناريوهات غير الاستمرار في حالة «البلوكاج»، ومنها على وجه الخصوص، حل البرلمان وإعادة العملية الانتخابية من جديد.

أحاول أن أفهم مقصد الأمين العام للعدالة والتنمية، ويذهب بي الفهم إلى أنه، ربما، قصد قطع الطريق على هذه الدعوة، وفرملة مسارها، لكن، هذا السلوك المناور، إن صح هذا الفهم، لا يحقق في أقصى أحواله سوى كسب تكتيكي غير مضمون، يتمثل في محاولة تعطيل لحظي لهذه الدعوة والالتفاف عليها، لكن  مخاطره أكبر، إذ تضفي طابعا شرعيا على قراءة وتأويل غير ديمقراطي للدستور، يتيح الإمكانية الدائمة للانزياح على المنهجية الديمقراطية، مادامت القوى الديمقراطية، ترى أن الدستور لا يمنع من ذلك.

في مناطق ملتهبة وملتبسة مثل الفصل 47، المناورة غير جائزة، والكسب المؤقت غير مجد، أمام تسويغ وشرعنة تراجع خطير يمس البناء الديمقراطي، الذي وضعت دستور الحراك الديمقراطي لبناته الرئيسة.

شارك برأيك