بين الاستبداد والدكتاتورية – اليوم 24

بين الاستبداد والدكتاتورية

  • عن موسم زيارة المهاجرين

  • الإسلام وهيبته في المزاد من جديد

تتفق أغلب المعاجم على أن الاستبداد يعني انفراد الحاكم باتخاذ القرارات وتنفيذها دون إشراك أي جهة كانت، فهو يتصرف تصرفا مطلقا، بلا رقيب ولا حسيب. وأكدت الموسوعات السياسية أن نظام الاستبداد يقوم على سيطرة فرد أو مجموعة من الأفراد على الحكم، خارج أي ناظم قانوني، أو عرفي يحترم القيم الإنسانية. وعرّف محمد عبده المستبد بأنه «من يحكم بما يقضي به هواه». وفي تعبير بليغ لشاعر أندلسي وصف فيه المستبد فقال:

ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدار*** فاحكم، فأنت الواحد القهار

وفي زمن نهضة الشرق نشر عبدالرحمان الكواكبي كتابا سمّاه: «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد». حدد فيه هدفه بقوله: «جعلته هدية مني للناشئة… فلا شباب إلا بالشباب». ثم أضاف: «ما أنا إلا فاتح باب صغير من أسوار الاستبداد. عسى الزمان يوسعه». وبعد مرور حوالي قرن وربع قرن على كتاب الكواكبي، وعلى عشرات، بل مئات من الكتابات السياسية الداعية إلى تجاوز الاستبداد بعد ذلك، دون تحقيق ما دعت إليه. ونتساءل: هل ثقافة الشعوب الإسلامية السياسية تنتسب تاريخيا إلى أنظمة «الاستبداد الشرقي»، كما عبر عنه أرسطو؟ أم إن أقوامها «انغمسوا انغماساً شديداً على الدوام في الميوعة والشهوة»، كما وصفهم منتيسكيو، أم إن الإنسان الشرقي «ليس لديه عن نفسه إلا أسوأ المشاعر، فهو لم يُخلق إلا ليجرّ عربة الإمبراطور»، كما قيمه هيغل؟

إن التجارب السياسية التي مر بها سكان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الزمن المعاصر والراهن، لم تكن تختلف عن أوضاع شعوب أخرى في العالم استطاعت أن تتخلص فعلا من الاستبداد. وربما يؤكد فشل ساكنة معينة من تجاوز وضعها السياسي المتوارث وجود قابلية دائمة للاستعباد. وهذا ما يمكن أن يفسر انتكاسة حَراك الشعوب في مصر وسوريا واليمن وليبيا، وقد لا يُستغرب الأمر إذا فشل حَراك السودان والجزائر كذلك، وكل حراك محتمل في هذه الرقعة الجغرافية من العالم.

والحال هذه، حاولت نخب تنتمي إلى شعوب شرق أوسطية وشمال إفريقية أن تحقق لشعوبها نظاما يتمتع فيه بالعدالة والحرية والكرامة. لكن خطأ تلك النخب عكسته عدم قدرتها على صوْغ مشروع مجتمعي منبثق عن طموحات شعوبها إلى تحقيق أحلامها وآمالها؛ لأنها قامت باستيراد نماذج من الأنظمة السياسية من خارج الذات الاجتماعية، وقدمتها كحل لتجاوز الاستبداد. ونسيت أن المستورِد للأنظمة غير الناجزة، كمثل من يستورد أي بضاعة جاهزة، لا يتجاوز دوره دور الزبون.

استغلت النخب العسكرية وضعية النخب المتعطشة للتغيير، فوظفتها كغطاء لها للاستيلاء على السلطة والحكم، بدل الاكتفاء بمهمة حماية الوطن والدفاع عن الحدود. وما يؤسَف له أن كثيرا من النخب النشطة سياسيا أمست في خدمة العسكر. ونجم عن ذلك أن العسكر قادوا انقلابات دكتاتورية على أنظمة استبدادية بشعارات ثورية مستوردة، ومؤيدة من أبواق نخبوية، لكي يتم سوْق الشعوب بشعارات براقة إلى قبول الدكتاتورية.

والدكتاتورية نظام عسكري أو حزبي مطلق، يتحكم في جميع مفاصل الدّولة، ويمارس الوصاية الكاملة على الشعب. والديكتاتورية أنواع وأشكال: هناك دكتاتورية عسكرية مباشرة يتولاها عسكري بالانقلاب، كحال مصر منذ عبدالناصر إلى السيسي، وحال اليمن في عهود مختلفة، وحال ليبيا في عهد القذافي، وحال السودان منذ استقلالها. وهناك دكتاتورية المخابرات العسكرية المختبِئة وراء ستار حزبي، كحال العراق، وسوريا، والجزائر، وتونس في عهد بن علي، ودكتاتورية بورقيبة كزعيم مخلّص أوحد. أما الأنظمة الملكية فجلها أنظمة استبدادية تعتبر الديمقراطية نظاما غوغائيا. فالحسن الثاني، مثلا، أكد في كتابه «التحدي» أن الديمقراطية قد تؤدي إلى تسليم الدولة للديماغوجيين… فما هو المشترك، إذن، بين نظام الاستبداد ونظام الدكتاتورية؟

إن النظامين يؤمنان بالحكم الشمولي، فلا فصل بين السلطات عمليا، ويتعرّض كل من ينادي بحرية الشعوب في اختيار حكامها للتخوين والعقاب والسجن. وكلا النظامين يضفي القداسة على الحاكم أيا كان، ويشتركان في قمع كل معارض، أو محتج، أو صاحب رأي، بدعوى أنه ضد المصلحة العليا للوطن، أو أنه عميل لجهات أجنبية، وأنه يشكل خطرا على أمن الدولة الداخلي والخارجي.

وما الأحكام القضائية الجائرة هنا وهناك، وقتل الصحافي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده بتركيا، وأوامر السيسي للمصريين «متسمعوش حد غيري»، إلا نماذج من عقيدة الاستبداد، ومظهرا من مظاهر عدم الانفصال بين الاستبداد والدكتاتورية.

شارك برأيك