هل نحتاج إلى الأحزاب حقا! – اليوم 24

هل نحتاج إلى الأحزاب حقا!

  • منير أبو المعالي

    منير أبو المعالي يكتب.. أمام العثماني فرصة ثالثة

  • منير أبو المعالي

    منير أبو المعالي يكتب.. ليبرالية خطرة

يشكو السياسيون تدهور الثقة بينهم وبين الناس، وهم في الواقع لا يحسون بذلك بسبب شعورهم بالتقصير، وإنما لأنهم يفتقرون إلى أي تفكير إبداعي بشأن الطريقة التي ينبغي لهم بواسطتها، بعد الآن، ربح صناديق الاقتراع. منذ فشل حكومة التناوب، سرت، بشكل تدريجي، مشاعر القنوط في نفوس السياسيين الذين تحولت اهتماماتهم مما يصلح للناس، إلى ما ينبغي فعله لضمان ثقة مؤسسة الحكم الأصيلة في البلاد. لم يأبه أحد إلى ما سيحدث عندما يكتشف الناس، الذين باتوا أكثر اتصالا بواقعهم وأكثر وعيا به، أن السياسيين لا يفعلون شيئا أكثر من الخداع. لقد كانت لديهم خطة بديلة؛ التحذير من دفع الناس إلى تقليل الثقة في سياسييهم. لا نعرف على وجه التحديد إلى من يُوجه هذا التحذير، لأن أصحابه مختلطون، فاليسار يفعل ذلك، كما تقوم به، بكل لهفة، الأحزاب التي لا ترى فائدة في قول «لا» للإدارة كيفما كانت مستوياتها.

في الواقع، يمكننا في ظل الشروط الحالية لعمل المؤسسات أن نستمر في الحياة دون الشعور بالإحباط من وراء فقدان السياسيين الموجودين. هذه هي الفكرة العدمية التي يحاول الجميع محاربتها، لكنها تزداد ترسخا في الأذهان. بالكذب، وبالتخاذل، وأيضا بالعمل الكاريكاتوري غير المجدي لكثير من الفاعلين، لا يمكن أن يخلف السعي وراء ثقة الناس سوى الخيبة المريرة.

يحس الأكثرية بالفراغ فعلا، وهم يقبلون على البدائل المطروحة في السوق؛ إما نحو الهياكل المصنوعة على السريع لمجتمع مدني يميل أكثر إلى التماهي مع اقتصاد السوق نفسه، وإما نحو المكان الذي لا تُشتم فيه رائحة الوسطاء بشكل مطلق، أي الشارع. وخلال هذا السقوط الحر، تهبط الثقة في كل الوسائط، وليس في هؤلاء فحسب. حينئذ تنتصر الفوضى، ويصبح من الصعب أن تكون موضع إدانة وقتها.

بشكل ملخص؛ عندما يشعر الناس بأن بمقدورهم الدفاع عن حقوقهم دونما حاجة إلى وسيط، فإنهم، دون شك، يفقدون أي رغبة في سماع مرافعات السياسيين حول الجدوى المفترضة من المشاركة السياسية.

كان لدى عبد الإله بنكيران قول مأثور: «أعطوني أصواتكم، واتركوا الأمر بيني وبينهم». بوصفه مفهوما ملتبسا للوساطة، ناهيك عما ينطوي عليه من عدائية يرغب الناس في تحسسها، لم تنته تلك الأصوات التي أعطيت لبنكيران سوى إلى تركه هو وأمره. وربما يكون لطريقته الجديدة في العمل، أي بواسطة البث الحي لشكاواه من صالون منزله، تأثير أكبر في تغيير بعض الأشياء، أكثر مما فعله طيلة أربع سنوات وهو جالس على كرسي رئيس الحكومة. بنكيران نفسه اكتشف أن الوساطة، كما كان يدعو إليها، ليست في أفضل أوقاتها.

وبطريقة هزلية، يبدو السياسيون الذين يشتكون تضاؤل أدوارهم في المجتمع، مثل أولئك الحجاج الشيعة الذين يجلدون ظهورهم بالسياط والسلاسل في الشارع لمحاكاة معاناة شيوخهم الأوائل. ليست هناك أي مردودية عملية لما يفعلونه، باستثناء ذلك الارتياح النفسي المرتبك بأنهم قد فعلوا ما يمكنهم فعله للحصول على بعض الغفران لهم ولأجدادهم المتخاذلين.

لكن، مثل بعض الشيعة، يمكن الإيمان الأحمق لدى بعض السياسيين أن يتحول إلى مطالب مأساوية؛ أي القيام بأعمال شائنة بهدف التسريع في ظهور بديل منتظر كمهدي السياسة تماما. ولقد ظهر فعلا في وقت مضى، في عام 2007، تحت وطأة الهروب الجماعي للناس من صناديق الاقتراع، لكن، كما يحدث عندما تجرب الوصفات على الطريقة المغربية، فإن القدر الذي خلطت فيه المقادير الجديدة لكي يبزغ دخان البديل المنتظر، لم يقدم لنا سوى كيان مشوه. ومع ذلك، وكأنها أعمال قدر غريب، فقد كانت تلك الوصفة التي سميت حزب الأصالة والمعاصرة، هي الدافع الجبار لحدوث تغيير كبير في السياسة، حينما أدت الأحداث المتتالية إلى تحول حزب العدالة والتنمية إلى البديل الذي تشرئب إليه الأعناق. لكن، لم تتجاوز مدة صلاحية هذا «المهدي» أكثر من أربع سنوات، مثل مدة ضمان سيارة. وها قد عدنا الآن إلى نقطة الصفر.

تدعونا الكيانات السياسية إلى أن نغير موقفنا تجاهها، لكنها لا تفعل شيئا، أو لكي لا نكون ظالمين، لا تفعل سوى القليل لتظهر أنها، هي الأخرى، تتغير وفقا للطلب نفسه.

لكن، دعونا نتوقف عن لعب اللعبة نفسها مع هؤلاء السياسيين؛ إنهم يقدمون مطالبهم بشكل عام، وباستعمال الإيحاءات والتحذيرات المبطنة، حتى يكاد المرء يفقد قدرته على تحديد الهدف. يتركون لك مهمة التفسير الشاقة، وعندما تصل إلى النتيجة التي لا يمكن إلا أن تكون خلاصة لتلك المقدمات، يضعون أنفسهم على مسافة بعيدة منك. وفي هذه المحاججة المبتذلة، يطرحون الصيغ الجديدة للمفاهيم القديمة، مثل الصراع، وموازين القوى. وهذه كلمات تنم عن حكمة، لكنها تستعمل بطريقة غبية لتأجيل قول الحقيقة؛ والحقيقة، كما هي عندي وعند الكثيرين غيري، هي أن هؤلاء السياسيين العاجزين لا يستطيعون إدارة أي صراع، بل إن بمقدورهم إفساد موازين القوى في اللحظة التي تميل فيها لصالحهم.

الحاجة إلى بديل بقدر ما تبدو مطلبا ملحا بالنسبة إلى أولئك الذين لا يشعرون بالجزع من نهاية دور الوسطاء السياسيين الحاليين، فإنها أيضا لا تظهر كهدف يمكن تحقيقه في وقت قريب، فهؤلاء السياسيون الجاثمون على صدورنا، مصرون على الاستمرار في اللعبة زمنا أطول، ومقاومتهم في ذلك جهد يحتاج إلى دورة تاريخية كاملة.

شارك برأيك