وزير «غاوي مشاكل» – اليوم 24

وزير «غاوي مشاكل»

  • «البام»: أزمة حزب أم أزمة نسق؟

  • إصلاح الأحزاب أو المجهول

منذ مدة وأنا أتتبع قرارات السيد سعيد أمزازي، وزير التربية الوطنية، وأرصد تفاعلاتها والجدل الذي يثار حولها، وحجم الاحتقان الذي تفرزه، فأتوقع في كل لحظة أن يتم إنهاء مهمته.

بدأ المسار بالاستهانة بالارتباك الذي حصل لمصالح وزارته في التخطيط للافتتاح الملكي للسنة الدراسية، وكيف رُميت خطاطته التنظيمية، واستبدالها بخطاطة أخرى، أنجزتها لجنة من خارج الوزارة لإنجاح هذا الافتتاح. وقريبا من هذا الارتباك، مشكلته مع كاتب الدولة في التكوين المهني، وتعطيله لمهامه، بالشكل الذي تسبب في تأخير بلورة مشروع للنهوض بالتكوين المهني كان قد ألح الملك على إخراجه في أجل زمني محدد.

ثم تلا هذا الارتباك، الأزمة التي تسبب فيها تدبيره لملف المناهج والبرامج، والاحتقان الذي أنتجته بلاغات وزارته التوضيحية بشأن مصطلحات دارجة في المقرر المدرسي، والتي، بالمناسبة، لم يوقع أي بلاغ منها، إلى أن تدخل رئيس الحكومة، فتم الخروج من المأزق.

ثم جاء سوء تدبيره لملف المتعاقدين وتصريحاته الاستفزازية التي كانت السبب الرئيس في نقل التصعيد إلى مستويات غير مسبوقة، خاصة لما تحدى التنسيقية، وتوعد بعدم استقبالها والتفاوض معها.

وكان أسوأ ملف أداره، هو مشروع القانون الإطار لإصلاح منظومة التربية والتكوين، وكيف سارع قبل البدء في مناقشة مواد هذا المشروع إلى تنزيل مذكرات لفرنسة التعليم والمواد العلمية على الخصوص من غير مستند قانوني، مما خلق حالة ارتباك كبيرة في السير الدراسي، ثم تلا ذلك، عناده في تمرير فرنسة المواد العلمية بشكل يخالف تماما مضمون المقتضيات الواردة في الرؤية الاستراتيجية. دع عنك سقطته المريعة حين سُئل عن سبب تدريس أبنائه في البعثة الفرنسية، فتعلل بتدني مستوى المدرسة العمومية، وهي التي تشير الإحصائيات كل سنة أن المتفوقين في الباكلوريا ينتسبون إليها، فبرر موقفه بتسفيه جهود المدرسة العمومية، وإعطاء صورة منفرة عنها، في الوقت الذي يقوم البرنامج الحكومي على النهوض بالمدرسة العمومية وإعادة الاعتبار إليها.

آخر مشكلات هذا الوزير، أنه أصدر مؤخرا، مذكرة تصادر الحرية الثقافية والفكرية في المؤسسات الجامعية، وتعيد إلى الأذهان مرحلة سنوات الرصاص، التي استهدف فيها الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، هذا دون مناسبة تذكر، فاضطر مرة أخرى إلى التوضيح، بعدما افتعل احتقانا يمكن أن يتسبب في إهداء مؤشرات أخرى لتراجع الحريات لفائدة المنظمات الدولية التي تشتغل في تقاريرها على رصد حرية التعبير والرأي في المغرب.

الخلاصة التي انتهيت إليها من قراءة مجموع قرارات السيد أمزازي، وهو بالمناسبة قليل إصدار المذكرات، وغالبها في قطاع التربية الوطنية يصدر باسم الكاتب العام، أن الرجل «غاوي مشاكل»، ويتسبب في إثارتها دون أن يكون له تقدير سياسي لعواقب القرارات التي يتخذها. مثل هؤلاء الوزراء، الذين أتوا من خارج السياسة، وبطريقة لا يعلمها أحد، يبحثون عن الإعفاء من حيث يشعرون أنهم يحسنون الصنع بتصرفاتهم المتهورة، ولا يدرك الذين وضعوهم في هذه المهمة، أنهم في أي لحظة يمكن أن يتسببوا في احتقان اجتماعي يعيد أجواء الحراك الشعبي، فتاريخ الاحتجاجات الكبرى في المغرب مرتبطة بشكل أساسي ومفصلي بقطاع التعليم.

ثمة شك كبير في السبب الذي جعل الرجل يستمر في موقعه رغم الكبائر السياسية التي ارتكبها، فثمة وزراء لم يفعلوا ما فعل السيد أمزازي، لكنهم تعرضوا للإعفاء، ولايزال بعضهم الآن، من فرط الجهد الذي قاموا به، لم يستوعب سبب إعفائهم.

بقاء السيد أمزازي في مهمته، ليس لها تفسير في تقديري، سوى أن يكون الارتباك مقصودا، وأن يكون الاحتقان الذي ينتج عنه، أيضا، مرغوبا فيه، وأن يتم تمرير مخطط الفرنسة على ظهره، مادام الرجل أبدى العناد المطلوب في الدفاع عن أجندة لا يفهم مراميها ولا أهدافها البعيدة.

كان يكفي رئيس الحكومة، أن يتأمل قرارين خطيرين صدرا عن الرجل، ليضع الرجل في دائرة الشك: الطريقة المستفزة التي كان يتعاطى بها مع ملف المتعاقدين، ثم إصداره لمذكرة لمصادرة الحريات الثقافية في الجماعات في توقيت الامتحانات! مثل هذه القرارات التي تمس السلم الاجتماعي، وتهدد الاستقرار، تتطلب من وزير مسؤول ألا يقدم عليها إلا باستشارة مع رئيس الحكومة، فهو المخول الأول، بمراعاة كلفتها السياسية، وأثرها على الاستقرار، قبل أن تصدر.

لو كنت في موقع النصح، لوجهت كلامي للوزير، بالاعتكاف ما تبقى من ولايته إن لم يتم إعفاؤه، على دراسة ملفات التربية الوطنية جيدا، وإعداد مخطط إصلاحي بنفسٍ تشاركي مع المعنيين، والتفرغ لمجاله، وممارسة التفويض بأرقى أشكاله، وتمثل فضيلة الاستشارة مع رئاسة الحكومة في القرارات التي يمكن أن تتسبب في الاحتقانات التي يمكن أن تعصف بموقعه.

شارك برأيك