في الشهر الفضيل – اليوم 24

في الشهر الفضيل

  • بين الاستبداد والدكتاتورية

  • ضرورة التوازن بين الصوامع والمداخن

يبارك المسلمون لبعضهم البعض حلول الشهر الفضيل. والشهر المقصود، هو شهر رمضان، الحامل رقم 9 في قائمة شهور التقويم الهجري، وهو الشهر الذي فرض فيه الصيام على المسلمين في السنة الثانية للهجرة النبوية. أما الفضيل، فهي صيغة مبالغة من اسم الفاعل «فاضل»، ويعني الكثير الفضل، أو عظيم المقام. ويقصد بشهر رمضان الذي فيه ليلة القدر؛ ليلة نزول القرآن الكريم «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ». وتشير صيغة الفضيل، كذلك، إلى فضيلة التحمل التي يتحلى بها الصائم الملتزم بالإمساك عن الأكل والشرب والمعاشرة الجنسية، طيلة يوم الصيام من الفجر إلى غروب الشمس، كما تشير إلى فضيلة صبر الصائم العامل في مختلف الأجواء المناخية شتاء وصيفا. وتطلق صفة الفضيل، كذلك، على كون الصائمين يستمسكون بالقيم التربوية التي جاء بها رمضان، ومن جملتها الصوم عن الكلام البذيء، والكذب، والنميمة، والتحكم في النفس عند الغضب بالقول: «اللهم إني صائم». وهو شهر فضيل، أيضا، لأنه يجعل الصائم يتعاطف عمليا مع المعرَضين لآفة الفقر والخصاص، ويحث على الدعوة إلى الانخراط في عمل الخير قولا وفعلا، تطبيقا لمبدأ التكافل الاجتماعي والتآخي الإنساني، ويدعو الصائمين ويرشدهم إلى تجنب الاستهلاك المفرط والتبذير، والتحكم في الرغبات والنوازع الغريزية، من أجل تحقيق الخير الخلقي. والصائم الحقيقي يتوّج سلوكه اليومي، المتسم بالفضيلة، بالتعبد وقيام الليل. هذه بعض الكلمات المعبرة عن مصطلح «الشهر الفضيل»، التي تتردد كثيرا في خطب المساجد ودروسها الرمضانية، وعلى صفحات جرائد ورقية وإلكترونية، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي. كما يكثر الحديث بشأنه في برامج القنوات الإذاعية والفضائية. فهل يمكننا الجزم بأن غالبية الصائمين يطبقون أثناء صيامهم فعلا المدلولات التربوية والأخلاقية لـ»الشهر الفضيل»؟ أم إن المراجع الذين يتكلمون عن تلك المدلولات يعتقدون بأن كلامهم عنها كاف؟ اعتقادا منهم بأنهم ماداموا قد تكلموا بشأنه، فقد فعلوه! وقد أشار عبدالله القصيمي في كتابه: «العرب ظاهرة صوتية» بأن العرب لا يميزون بين القول والفعل. ما يدعوني إلى طرح مثل هذه التساؤلات، هو التناقض الملحوظ في مجمل سلوكيات المسلمين خلال شهر رمضان؛ وقد عايشتُ رمضان في أكثر من بلد إسلامي. وللأسف، لم أر في سلوك غالبية صائميها ما يعبر عن «الشهر الفضيل»؛ لأن شهر رمضان الواقعي والفعلي المعيش على الأرض هو شهر يجعل ميزانية الأسر المتواضعة الدخل، بل حتى عائلات الطبقة الوسطى، تحتمل فوق طاقتها المعتادة، بسبب الإنفاق المبالغ فيه خلال الشهر الفضيل، فهو، إذن، شهر الاستجابة للمشتهيات البطنية والتفاخر المجتمعي بالمقتنيات الاستهلاكية وللانفعالات السلوكية، كذلك. الأمر الذي يجعل هذا الشهر شهر تبذير في كل شيء، عوض شهر القيام بأفعال الخير الخلقي والتعاطف الإسلامي الإنساني، التي تشير إليها مدلولات «الشهر الفضيل». ومن الظواهر المصاحبة لهذا الشهر أن بعض الدول تحوِّل معوزيها إلى متسوّلين جماعيين، حين تمنُّ عليهم ببعض العجائن والزيت والسكر والقطاني. وقد طالت هذه المنّة حتى فقراء المغرب في دول المهجر.  أما إذا أتينا إلى الجانب السلوكي لعموم الصائمين في شهر رمضان، فنجد أنهم لا يسيئون للشهر الفضيل فحسب، بل إنهم يسيئون للقانون والأخلاق الاجتماعية الممارسة في الشهور الأخرى، التي لا نشاهد فيها، مثلا، أشخاصا يعرقلون السير بتوقيف سياراتهم في وسط الشوارع وينزلون منها لكي يتبادلوا الشتائم واللكمات مع أشخاص آخرين لأسباب تافهة، أو يعبّرون عن انفعالاتهم بكلمات يمجّها الذوق العام. فهل كان ذلك تفعيلا للشهر الفضيل؟؟؟ وحين تقودك رجلاك إلى الأسواق يمكن أن ترى العجب العجاب من تصرفات انفعالية شديدة التأثير على المتسوقين والبائعين معا. ومن جانب آخر، يعد شهر رمضان أقل الشهور إنتاجا في كل المجالات الاقتصادية والإدارية؛ حيث تتعطل فيه مصالح الناس بالجملة. وعلى الرغم مما تقدم، فإن شهر رمضان لايزال يحتفظ بعباداته المتمثلة خاصة في صلوات التراويح عند أهل السنة، والاحتفاء بليلة القدر، ويتميز بطقوس إقامة سهرات ذات طابع ديني، وإقامة إفطار جماعي تلتقي فيه، ومن خلاله، مشاعر جميع الصائمين مع بعضها البعض. إما بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة في ممارسة نفس الطقوس والأفعال الثقافية، وتتميز طقوس رمضان كذلك بملتقيات أسرية، والتقاء الأصدقاء في المنتديات وأماكن الإفطار الجماعي، وفي سهرات نابعة من ثقافة مجتمع الصائمين. لكني أعتقد بأن الشهر الفضيل لن تتحقق فيه كل مدلولاته وأبعاده، مادامت ثقافة المجتمعات الإسلامية نفسها لا تلتزم في حياتها اليومية، وفي أخلاقها العامة، بالقيم الفاضلة.

شارك برأيك