صدوق: العروي يعتبر الرواية فن المدينة -الحلقة8 – اليوم 24
العروي
  • العروي

    محمد الداهي: القول بأن روايات العروي نسخة من فكره حكم جزافي -الحلقة15

  • أمين معلوف

    أمين معلوف.. «العالم يسلك طريق القبلية» -حوار

  • العروي

    ابن الوليد: الثقافة تؤلم وتؤذي ولكنها تُـشفي أيضا -الحلقة14

فسحة رمضان

صدوق: العروي يعتبر الرواية فن المدينة -الحلقة8

قال المفكر عبد الله العروي، في حوار صحافي، يعرف نفسه: «أنا روائي بالميول، وفيلسوف بالاستعداد، ومؤرخ بالضرورة». يعكس هذا التصريح موسوعية الرجل في المعرفة والكتابة.

لكن قراءة أعماله الأدبية والفكرية تبرز ريادته في مجالات شتى: البحث التاريخي، والتأمل النظري، والإبداع الأدبي، والترجمة، الخ. في هذه الحوارات، نقدم هذا الفكر المتعدد، من خلال أسئلة نطرحها على كتاب ونقاد وباحثين، في محاولة لتفكيك منظوره الفكري المركب.

كيف ينظر العروي إلى الفضاء المديني عموما في كتاباته الأدبية؟ وكيف يتبدى التقابل بينه والفضاء القروي/الريفي؟

إن الثابت على مستوى الكتابة الأدبية (وتحديدا جنس الرواية)، هو أن الفضاء يعتبر أحد المكونات الأساس التي تسهم في هندسة البناء الروائي. من ثم، لا يتحقق وجود نصي للرواية دون هوية فضائية تؤطر النص، حيث تتضافر على السواء مكونات أخرى في عملية إنتاج مشترك أدبي غايته الرئيسة توفير معنى للقارئ. إلا أن اللافت في سياق تلقي العديد من التجارب الروائية العالمية والعربية، أن قوة الرواية تنهض- أساسا- على مكون نواة، فيما بقية المكونات روافد داعمة مضيئة. إذ أن من التجارب التي راهنت على الشخصية في نوع من التماهي والمؤلف، وكم من نص حمل كعنوان له اسما علما، مثلما أن من النصوص التي احتفت باللغة في درجتها الشعرية ومستواها البلاغي الذي يجعل الرواية تتداخل والقصيدة دون كبير تمييز. ويحق الحديث عن تلك التي أولت العناية بالزمن والفضاء.

بيد أن محاولة الإلمام بالفضاء المديني في روايات الروائي “عبد لله العروي”، يفرض الوقوف على المتن الروائي في شموليته، علما بما ذكر سابقا من كون الممارسة الروائية على مستوى الشكل تنوعت حسب الروايات. ومن ثم، فالصيغة التي انبنت عليها “اليتيم” مثلا كاختيار، تتجلى في توزيع الجسد الروائي إلى فضاءات هي انتقالات غايتها من ناحية بناء النص، ومن أخرى بناء قراءته وتلقيه. على أن الفضاءات المحددة في “اليتيم” كصيغة شكلية لـ/ وفي الكتابة، تتردد على امتداد الرباعية وصولا إلى النص الخامس “غيلة”. والأصل أن تكرار استدعائها عملية قصدية ترمي إلى كتابة الذاكرة في رصدها للتحولات التي طالت المدينة المغربية معمارا وعلاقات. والواقع أنها ليس المغربية وحسب، وإنما الأوروبية ممثلة في باريس. يرد في قصة “الغربة”: “أطل التاكسي على كنيسة الشعراء والأدباء المخنثين. وهي تلمع في جو باريس المتلألئ. وجنب الحديقة الصغيرة التي كانت تضاء كل مساء سبت وأيام الأعياد، ثم انزلق في نهج الجنرال الفائز. أين لافتة المكتبة المخصصة لحياة وأعمال ستندال؟ قالت مارية: لعل العالم المحقق قد مات. ذلك العالم الذي كان يختلف إلى المقهى الملكي. يأتي كل يوم عمل على الساعة الخامسة، يعتلي مقعده المعهود المطل على الساحة الآهلة، يحسو من فنجانه برصانة وهدوء الأشياخ المتبتلين. لعله مات، العالم الناسك الذي وقف حياته على خدمة رجل واحد اتخذه إماما وشيخا، كما اتخذت أنا أيضا شيخا مجربا يؤول لي ما يعترضني من ألغاز.” (الطبعة السادسة. ص/13)

وفي “غيلة”: “غادر ليو مشرب باقة أليريا. قطع شارع لوكلير ومر أمام مطعم الزيير قاصدا شارع المين ومنه زقاق فروادفو.. تغير وجه الحي خلال السنوات العشر الأخيرة. تكاثرت العمارات الحديثة العالية المضاءة ليلا ونهارا، صيفا وشتاءً. أصبح أغلب السكان من الموظفين والتقنيين الجدد فيما قل عدد الصناع والحرفيين وأقفلت متاجر الفحم والخمارات. فرغت الأزقة والممرات، كل أسرة قابعة في جحرها، مشدودة إلى أخبار الدنيا بواسطة الشاشة الصغيرة. فقد الحي نكهته الشعبية فتجمدت حيويته.” (ص/ 150)

ويحق تقسيم الفضاءات المتمثلة في المتن الروائي للأستاذ “عبد لله العروي” إلى:

1/ فضاءات الألفة

2/ فضاءات التكوين

3/ والفضاءات المتخيلة.

بيد أن ما تجدر ملاحظته بخصوص التصنيف المعتمد، كون الفضاءات الأولى والثانية، يتحقق إنتاج معناها انطلاقا من الرباعية، ومن خلال الصيغ المعتمدة: القصة (الغربة)، الرواية (اليتيم والفريق) والسيرة الذهنية (أوراق)، ولئن كانت الأخيرة تؤسس لقول درجة الوعي الثقافي والمعرفي وتحولاته. وأما الفضاءات المتخيلة، فيمكن تقسيمها إلى واقعية حولتها الكتابة الروائية متخيلة. أي إنها واقعية بالتحديد الاسمي (نموذج غيلة) المعتمدة الصيغة البوليسية في الكتابة، خاصة وأن الأحداث تجري بين المغرب وفرنسا. ثم المتخيلة ككل، وبالضبط في (الآفة) بحكم كونها رواية الخيال العلمي، حيث الحكاية تتأسس على فضاءين: “أرض المور”، ثم “أرض المغيب”.

على أن القصد من فضاءات الألفة، تلك المتمثلة في مسقط الرأس “أزمور”، ثم “الصديقية”، حيث يشار إلى المدينة القديمة والجديدة، وتحدد أماكن بعينها: “المريح”، “الخلوة”، “جامع الزيتونة” والبحر، ثم إلى العلامات والإشارات الشخصية المميزة “مولاي بوشعيب” (السارية)، “عائشة البحرية” و”سيدي غانم”: “وصل الرجلان إلى المنعطف المؤدي إلى المدينة الجديدة فقطعا الطريق قبالة مسجد الزيتونة. عندها سمعا صوت المؤذن يرتفع من أعلى المئذنة، موجها نداءه جنوبا صوب ضريح مولاي بوشعيب السارية، ثم شمالا صوب عائشة البحرية: مؤكدا هكذا مناجاة شعيب وعائشة عبر النهر وعبر الزمن، شعيب الذي جاء من مراكش على ظهر سبع طيع ولم يدرك أبدا ضفة النهر.” (“الغربة”. ص/12)

“سمعت مرارا وأنا صبي أن المرحومة والدتي كانت تحب هذا الضريح فتقيم فيه كل شهر وليمة للفقراء. لهذا السبب أفضل دائما أن أسلك هذا الطريق دائما، ما أن أقترب منه إلا وتطمئن نفسي ويغمرني الشعور بالراحة والانشراح”. (“الغربة”. ص/ 121)

ومثلما تبرز الألفة بما هي الحنين، التذكر والاستعادة في مسقط الرأس، فإنها تتجسد- وكما ذكر- في البيضاء التي أمضى فيها “إدريس” مرحلة من حياته. وبالتالي فهو يستعيدها موثقا معالمها، ومتحسرا على ما انتهى إليه معمارها. وأما التكوين، فتجلوه السيرة الذهنية “أوراق” التي أعتبرها الختم الجامع لما حكي سابقا، والإضاءة لما يمكن أن يكون شكل ثقوبا على امتداد الحكي السابق، إذا ما ألمحت لكون الروائي “عبد لله العروي” يورد إشارات نقدية ونظرية في إبداعاته، وأتمثل ما جاء به في قصة “الغربة”: “إن السرد شأنه عجيب، غوامضه كالأحجار المتلألئة التي تخلب وتخدر الأعصاب.” (ص/16) “إن الذكريات تسرد مقطعة معكوسة.” (ص/ 21).

فـ”أوراق” سيرة الفكر والثقافة كما تحقق التفاعل معها معرفة وتأويلا. على أن ما تتفرد به “غيلة” في فضاءاتها المختارة وأماكنها الدقيقة، ملامسة واقع الأسرة وما يعتريه من تحولات يصعب إيجاد حلول لها بحكم التضاد بين واقعين: تقليدي وحداثي. وتبقى “الآفة” كخيال علمي رصد للذاكرة بين مهاوي الظلام وأنوار المعرفة. بيد أننا ومن خلال التصنيف المعتمد، لم نورد الحديث عن تقابل المدينة/ القرية، خاصة وأن الأستاذ “عبد لله العروي” يؤسس لـ”كتاب الحداثة” في بعده الوصفي الذي يعتبر بأن الرواية هي بدقة فن المدينة. من ثم:

1/ إن ما يتحكم في الفضاءات، وفي هذه التجربة، الاختيار المنبني إبداعيا على منطق التماسك والانسجام.

2/ إن كل اختيار يعتمد لغته ومعجمه الذي يتفرد به، ويحسن دراسته باستقلالية تامة (نستحضر نقد لغة “نجيب محفوظ”).

3/ إن الرواية هي فن المدينة، والحداثة تبدأ من المدينة، من إشاعة وعي مديني ومدني.

تبقى الإشارة ونحن بصدد الفضاء، وجوب الإشارة إلى أن الكاتب والأديب “منيب البوريمي”، نشر في فترة مبكرة دارسة متميزة عن الفضاء في قصة “الغربة” وسمه بـ(“فضاء الغربة” الإطار والدلالة)، وذلك عن دار النشر المغربية. لكن السؤال الذي يقلق: أترى لو عاد الروائي “عبد لله العروي” اليوم إلى البيضاء، فهل يا ترى ستوحي له بشيء ما؟

شارك برأيك