«رائحة الأركان».. صداقة برائحة الزعفران -الحلقة12 – اليوم 24
وهبي
  • عبداللطيف وهبي يكتب: أي اقتصاد وطني بعد كورونا؟ 3/2

  • عبداللطيف وهبي يكتب: حماقات «التقنوقراط»

  • عبد اللطيف وهبي يكتب: كورونا والجهوية

فسحة رمضان

«رائحة الأركان».. صداقة برائحة الزعفران -الحلقة12

جرت العادة أن يكتب الأدباء والمثقفون عن الأشخاص المرموقين، سياسيين ورياضيين، علماء ومثقفين، غير أنه في هذه التجربة نجد أن عبداللطيف وهبي، ابن بيئة سوس بعبق رائحة الأركان، اختار الكتابة على رموز بسيطة وسط الشعب وبخاصة وسط جهة سوس، لها ذلك الحضور الجميل في حياة الناس مقابل غياب كلي في الواجهة العامة التي تغري السياسيين، لما لهذه النماذج الإنسانية البسيطة من قدرة كبيرة على اختزال قيم إنسانية تتجاوز محورية حب الذات.

لا يمكنك زيارة تارودانت الشمالية خلال فترة الانتخابات ولا تجالس (الحاج بلعيد) عدة مرات، فهو موسوعة شعرية ولغوية، بل مدرسة تفيض تراثا وفكرا ومعينا من تجارب الحياة ومصدر معرفة بأحوال الناس، لدرجة أنه في بعض الأحيان يتراءى لي أن (الحاج بلعيد) يعرفه كل أهل تارودانت ونواحيها ويعرف جلهم، كبيرهم وصغيرهم.

طوال النهار تجده جالسا في مقهى أو على حجرة في زاوية على جانب الطريق بجلبابه وسلهامه، بتواضع الكبار، يجله الناس ويحبونه ويقدرونه، يمرون أمامه ويلقون عليه السلام باحترام يليق بقدره، يرد عليهم بعفوية وطلاقة ويسألهم عن أحوالهم.

(الحاج بلعيد) رجل متقاعد اشتغل لمدة طويلة في التدريس منذ خمسينيات القرن الماضي، درّس في العديد من المدارس العمومية بجهات وأقاليم متعددة في المغرب، يتحدث عنها بتفاصيل دقيقة وكأنه عاد منها فقط بالأمس القريب، قبل أن ينهي مساره المهني بالدار البيضاء كمدير لمدرسة ابتدائية ليتقاعد بعدها ويعود إلى أولوز، مسقط الرأس.

هو رجل في السبعينيات من العمر، درس خلال مساره الدراسي الكثير ممن أصبحوا الآن شخصيات ومسؤولين كبارا في المغرب، فحينما يتحدث عن أحدهم يذكر أنه درس على يديه، وكل تلامذته في تقييمه نجباء، يتحدث عن ذلك دون تباه، فكل التلاميذ كانوا لديه سواسية متساوين في نظره، يحكي سيرهم بفخر ممزوج بكثير من التواضع، لكنه يحسبهم كلهم أبناءه.

والكثير ممن سافر من أهل قريته، بنواحي بلدة «أولوز» وسط جبال تارودانت الشمالية، قد مروا واستقروا ببيته بالدار البيضاء لمدد متفاوتة قبل أن يدرسوا في الثانويات والمعاهد العليا أو الجامعات سواء بالدار البيضاء أو بالرباط، ظلت يد (الحاج بلعيد) بيضاء ممدودة للكثيرين وكانت خيرا عليهم لدرجة أنه لا يتذكر عددهم، كان بيته بالدار البيضاء، كذلك، محجا للعديد من الآباء وساكنة تارودانت ولكل من قصد هذه المدينة من أهل مدشره وقريته ومنطقة تارودانت عموما، من أجل رحلة علاجية أو لقضاء غرض تجاري أو إداري أو غيره.

يتقن (الحاج بلعيد) اللغة الأمازيغية، كما أن له قدرة لا نظير لها في التمكن من قواعد اللغة العربية، فهو كما يفكك رموز اللغة الأمازيغية لثقافته الواسعة بها وبتاريخها، له كذلك إلمام واسع باللغة العربية وبقواعدها وعلومها وبالثقافة الإسلامية، بحيث لا يخلو نقاشه باستشهادات دينية.

وعندما يناقشك (الحاج بلعيد) في اللغة العربية، يبحر بك في عالم الأدب العربي وبحور الشعر التي يحفظ منها الكثير، لا تكاد تذكر أمامه صدر بيت شعري حتى يقاطعك بذكر العجز من البيت، بل يتلو عليك قصيدة شعرية في الموضوع ذاته، وينهي كلامه بإعراب بيتها الأخير، فالحاج بلعيد رجل حافظ لدواوين عدة شعراء من جميع العصور، بدءا بشعر العصر الجاهلي والأموي والعباسي.. وما تلاهم من مراحل.

عندما تهمس بأي بيت شعري أمامه وتخطئ، يسارع فيصلح لك البيت الشعري شكلا ونحوا، فـ(الحاج بلعيد) رجل أدب ونحو وبلاغة وشعر بامتياز، يتقن قواعد اللغة والنحو، يبحر بك في آيات وسور  القرآن الكريم ليؤكد لك قاعدة لغوية أو يعدل لك فكرة أو يصحح لك مفهوما، فهذا الرجل المتواضع معجم لغوي يسير على قدميه. للحاج بلعيد ثقافة سياسية مهمة تحفل بتاريخ الفكر السياسي المغربي وتطور شخصياته منذ الاستقلال. وحينما التقيته بمناسبة الانتخابات الأخيرة حدثني طويلا عن مشكلة جديدة في الممارسة السياسية، وهي توظيف الدين في الممارسة السياسية، فقد بدا منزعجا من الذين يناقشون الدين من خلال السياسة، يتحدث عن السياسيين ولا يتهمهم، ينتقد  السياسة ولا يتقزز منها، لكنه يربطها دائما بالممارسة الأخلاقية «فلا سياسة بدون أخلاق وأشخاص متخلقين يعطون النموذج»، يؤكد (الحاج بلعيد).

كلما عدت إلى الانتخابات بدائرة تارودانت الشمالية أجده متهيئا مستعدا للدفاع عني، يعتبرني ابنه الأصغر، لا يتردد في الجزم بكون انتمائي العائلي وإيماني بالله ورسوله، كما يقول تجعله مستعدا للدفاع عني في كل الاتجاهات من أجل ذلك. يتحدث للجميع عني حتى الجماعات التي لا يعرفها، فالكل يعرفونه، فمن من أهل تارودانت ونواحيها لا يعرف (الحاج بلعيد)؟.

شارك برأيك

tan tan

naif man!

إضافة رد