«رائحة الأركان».. الحاج بلعيد: أركان الجبل -الحلقة13 – اليوم 24
وهبي
  • مغرب 2021 (4)

  • (مغرب 2021) «2»

  • مغرب 2021

فسحة رمضان

«رائحة الأركان».. الحاج بلعيد: أركان الجبل -الحلقة13

جرت العادة أن يكتب الأدباء والمثقفون عن الأشخاص المرموقين، سياسيين ورياضيين، علماء ومثقفين، غير أنه في هذه التجربة نجد أن عبداللطيف وهبي، ابن بيئة سوس بعبق رائحة الأركان، اختار الكتابة على رموز بسيطة وسط الشعب وبخاصة وسط جهة سوس، لها ذلك الحضور الجميل في حياة الناس مقابل غياب كلي في الواجهة العامة التي تغري السياسيين، لما لهذه النماذج الإنسانية البسيطة من قدرة كبيرة على اختزال قيم إنسانية تتجاوز محورية حب الذات.

يتحدث (الحاج بلعيد) في مواضيع مختلفة، يعشق كثيرا السير لمسافات طويلة على قدميه دون تعب، وبمجرد حلول وقت الصلاة يقصد أقرب مسجد، بل ينسحب من اجتماع أو مسامرة أو جلسة مناقشة، ثم يعود لإكمال نقاشاته، لا شيء يشغله عن دينه، ينصت للناس بأدب ولا يثقل عليهم في الحديث، ثم ينسحب ليترك الناس وشأنهم.

يتصرف بنوع من الاستقلالية ممزوجة بنوع من الغموض، إذ لا يحمل للدنيا همّا ولا يجري وراء منافع لذاته، يعيش على القناعة. راغب في عمل الخير، لا يأتيه شخص في طلب ويرده، يشارك الناس جميع أفراحهم وأتراحهم.

كلما رن الهاتف وظهر لي رقم (الحاج بلعيد) أجيب على الفور، إذ للرجل في نفسي مكانة وحظوة، يتصل بي باستمرار للسلام والسؤال عني، أو للتدخل من أجل حالة إنسانية مستعجلة بالمنطقة، وفي بعض الأحيان يخبرني بأخبار هذه العائلة أو تلك، يخاطبني بلقب «الأستاذ» وكثيرا ما أتحرج في دواخلي، وأخاطبه أنا بسيدي (الحاج بلعيد) وأرى في ذلك مفخرة لي، موضوع مكالماته لا تتعدى دعوتي إلى الاتصال بفلان لأنه مريض أو أحد أقارب الآخر لأنه في مأزق أو الدعوة إلى زيارة ذاك لسبب من الأسباب، فهو حريص على إرشادي للسؤال عن أحوال الناس ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم.

يحفزني (الحاج بلعيد) دائما على بناء علاقات إنسانية أعمق وأوسع مع محيطي وأهلي وساكنة تارودانت وسوس كلها، وحينما أسأله عمن يكون الشخص الذي حدثتني عنه ينخرط في سرد عن النسب والانتماء الأسري والقبلي كأنه يعرف العائلات والأنساب كلها، يقدر العلماء كثيرا ويقدر الناس جلال قدرهم، يحدث الكبير كما الصغير، يقول لي وهو يبتسم: “إنهم كلهم عباد لله”.

يحب (الحاج بلعيد)  في أغلب الأحيان أن يسير وحيدا، محدثا نفسه، يقرأ القرآن، أو ينشد مدحا في سيرة الرسول صلى لله عليه وسلم، أو ينشد شعرا، جدي، قليل المزاح، يحتفي بأي شخص يلتقيه في الطريق، يستجيب لدعوة هذا وذاك، يجتمع مع الجميع والكل يحب مجالسته، فالجلسة بوجود (الحاج بلعيد) لا تخلو من استفادة وإفادة في تواضع تام.

يعتبر (الحاج بلعيد) قبلة المحتاجين وخير وسيط وفاعل خير، تقضى كثير من حوائج الناس على يده، ما أن يأتيه شخص بطلب حتى يخرج هاتفه البسيط من جيبه ويتصل بهذا الشخص أو ذاك قد يكون عرفه أو تتلمذ سابقا على يديه، يتوسط لدى هذا المسؤول أو ذاك لقضاء حاجات الناس، فكل الزمن حتى الافتراضي للحاج بلعيد ملك للناس، يقول دائما: «نحن خلقنا في هذه الدنيا فقط، لعبادة لله والسعي إلى الخير لفائدة الناس”.

لا يريد (الحاج بلعيد) مغادرة قريته الصغيرة، مسقط رأسه بضواحي منطقة «أولوز»، ربما، لأنها تسكن روحه ووجدانه، أو، ربما، لأن هواءها النقي ينعش صدره، أو أكلها الطبيعي بالمواد الطبيعية الأصيلة كالزعفران وزيت الأركان يناسب صحته، لهذا يكره (الحاج بلعيد) السفر إلى الدار البيضاء حيث يملك بيتا آخر هناك سكنه لسنوات عديدة، يفضل بيته التقليدي البسيط بقريته على بيته العصري هناك بالدار البيضاء.

حينما تنتهي الانتخابات يسلم عليّ مهنئا ثم يختفي، فالرجل بهيئته وهيبته يحمل تاريخا من التدريس، علم الكثيرين ومازال يعلم بأخلاقه وبتواضعه الجميع.

حينما يحدث الجماعة يثير اهتمامها، يرد على هذا ويشاكس الآخر دون الإخلال بالاحترام ولغة وأخلاق وأدب الحوار، معاشه الزهيد يكفيه ويجعله مرتاحا بين ثنايا جبال الأطلس، يضحك ويردد: «لقد رجعنا إلى من حيث انطلقنا» وكأنه يقول: “الحمد لله الذي عدنا فيه إلى قواعدنا سالمين”.

عاش الحاج بلعيد أستاذا ومدرسا، كما سبقت الإشارة، وظل أستاذا في الأخلاق والتواضع. ولا شك أن مثل هؤلاء قلائل في زمننا، لا تكتب عنهم الكتب ولا تنشر صورهم في الصحافة، فهم لا يحبون الأضواء، وإنما يكفيهم العيش واحتلال المواقع الرمزية في قلوب الناس، إنهم أعمدة مجتمع إنساني وأخلاقي في القرى والمداشر، يقف الناس لهم إجلالا واحتراما.

أمثال الحاج بلعيد كثر في سوس، يعيشون على الكفاف، لا يثقلون على أحد ولا يسيئون للآخر، ينصحون الناس من حولهم، يتواصلون مع الجميع دون فرق بين الصغير والكبير وبين الغني والفقير.

يحدثني (الحاج بلعيد) دائما واحفظ له جملة تقول: «احرص على رحمة من في الأرض يرحمك من في السماء»، والتي يختزلها بقوله: «ارحم ترحم فالكل عباد لله». أطال لله عمر (الحاج بلعيد) ذلك الرجل الودود الجميل العميق الاستثنائي.

شارك برأيك