رمضان كريم يا بوعشرين – اليوم 24

رمضان كريم يا بوعشرين

  • مقر اتصالات المغرب

    عبر «اتصالات المغرب».. الدولة «تأكل» أموال الأجراء والمتقاعدين

  • 64656712_2421186807937663_7623746441378267136_n

    شاب متهور يتحدى متابعيه باعتراض القطار ومكتب السكك يهدد باللجوء إلى القضاء

@ عبد الإلاه الحمدوشي

رمضان مبارك كريم، أما بعد؛

أعلم أنه في السجن لا أحد سيصفق لك باسم التضحية، ولا صديق سيرفع في وجهك شارة النصر مبتسما ومقدرا نضالاتك. تخال نفسك وأنت حبيس الجدران الأربعة والسقف، سلعة صينية الصنع، انتهت مدة صلاحيتها بسجنها، وكسدت بفعل التشكيك في جودتها، ببث تقرير على التلفاز يحذر المواطن من خطورتها.

تتذوق حروف كلمة المواقف بلسانك ثم تطلق تنهيدة، وتقول: «المواقف.. هذه ضريبة المواقف»، ربما ناسيا أو متناسيا أن مناضلي الأمس القريب والمارين من الزنزانة التي تقعد ببطنها الآن كقعود يونس عليه السلام ببطن الحوت، ما عادوا يؤدون ضرائب ممتلكاتهم ومشاريعهم، التي كبرت فجأة، بعدما باعوا ضمائرهم للمال والكرسي المريح.

ألا تدري أن الذين عاشوا يستنشقون هواء الوطنية والمبادئ، مترنمين بأهازيج النضال، قد أدوا ضرائبهم دما ساخنا أريق في ليلة قمرية باردة؟ ألا تدري أن اللسان الذي لا يمدح ولا يغني للمال والسلطة، هو لسان خائن.. متخابر.. متواطئ مع الضمير ضد الاستبداد والفساد؟ ألا تدري أن أولئك الذين سطرت من أجلهم مقالات باكية دمعت فيها عين قلمك لمعاناتهم، كانوا أول المتبرئين من حروفك، والشاتمين لأناملك التي أصبحت، حسب رأيهم، تبتغي الشر والفتنة، وتزور حياة البذخ التي يعيشونها لكي تخدم أجندة الأعداء وتشفي في الوطن غليل الخصوم. وحتى أقرب الناس إليك، عندما رمي بك في الظلام، أصابهم مسخ، فتحولوا إلى سلاحف تخبئ رؤوسها مع الأطراف في مستنقع الجبن الراكدة مياهه منذ عقود.

أنت متورط في إشعال نار الثورة على الظلم، وقتل الاستبداد مع سبق الإصرار والترصد، أنت سارق، سرقت هناء المقيمين هناك في أعلى الهرم الطبقي، سرقت ليلهم وسمرهم الملائم لعقد الصفقات، فيما الناس نيام لا يعرفون سوى ما يتلو عليهم النهار من زيادات في الأسعار، ومن مواعيد لمسابقات غناء حدد الفائزون فيها سلفا.

لكنها مصادفة جميلة أن يقودك الحب -يا زميلي- إلى الزنزانة كما فعل بـ«شاروخان» في فيلمه الهندي الشهير «فيرزارا»، ورغم ذلك، فـ«شاروخان» لا يشبهك، لأن «جريمته» هو تكمن في كونه قد أحب فتاة، أما أنت فقد عشقت وطنا بأكمله.

وطن بأطفاله الذين يتابعون دراستهم للحياة على الأرصفة، وبين المقاهي، وفي ورشات «الصنايعية»، تجدهم يفترشون الأرض ويتدثرون بالبرد من البرد، دون أن يجدوا أمامهم يدا ممدودة تنقذهم من جحيم الشارع ولعنة التشرد. هم أطفال قدر لهم أن يشيخوا مبكرا، وأن يتحدثوا بلغة الكبار، ويدخنوا السجائر بطريقة الكبار. تجدهم يمسحون بأطرافهم البريئة حذاء مسؤول، والأصل هو أن يمسح هذا الأخير دموعهم التي جفت وما عادت تسيل.

وطن بنسائه اللواتي لا يعرفن أيا من الشعارات التي ترفعها الجمعيات النسائية، ولا يعرفن لصالونات الحلاقة والتجميل طريقا، ويعشن يوم الثامن من مارس كما يعشن بقية أيام السنة.

وطن بعجائزه وشيوخه من الجنود القدامى، الذين أفنوا أعمارهم في الفيافي، وفي مواجهة فوهات المدافع دفاعا عن الوطن وعن سارقي خيرات الوطن، لكن دون أن يقصدوا ذلك، وبدل أن يعلقوا أوسمة البطولة والاعتراف، علقوا المصل وأنابيب تصفية الدم، بعدما عادوا من الحدود محملين بالأمراض المزمنة الشاهدة الوحيدة على تضحياتهم. هم أبطال وجدوا أنفسهم في خريف العمر أمام أبواب المساجد والأسواق الممتازة وفي المقاهي التي يرتادها العشاق، يمدون أيديهم -مرغمين- طلبا لدريهمات تمكنهم من شراء خبزة وحبة «أسبرين» لعلها تخفف عنهم وجع الرأس المحملة بالهم.

صديقي توفيق،

أنا مثلك عشت ما قدر الله لي أن أعيشه من محنة الاعتقال، لكنني –ويا للعجب- كنت أجد أنني لست الشخص الذي يمكنني ويمكنهم هزيمته، فبعد عديد الضربات لم يحصل شيء يذكر، ماعدا بعض الخدوش الطفيفة وزيادة في الوزن، وقناعة تقول إنه مهما أصابنا الجبن، سنجد أن هناك مقاومة ما بداخلنا تدفعنا إلى الحفاظ على رباطة جأشنا. أكاد أقسم بأن هناك شيئا ما يشبه الشعلة، التي نتخيلها في أشد لحظات الظلمة، كانت تجعلني مبتسما، وصوت بداخلي كان يقول إن هزيمة هذا الرجل المتعب ليس أمرا واردا على الإطلاق، فحتى وإن كسرت بعض الضربات ظهره، سيحمل عموده الفقري ليدافع به، ليذود به عما يؤمن به، خاصة أن عدم الوصول إلى النهاية يعني أمرا واحدا فقط، وهو أن هناك فصولا جديدة تنتظرنا من حبكة القدر لنعيشها، وإني أظنك تعيش الإحساس نفسه يا توفيق

شارك برأيك