فوضى التراويح! – اليوم 24

فوضى التراويح!

  • أنا الآن أحترق في الشباك!

  • متى سيسير عصيد ندوة بنجبلي؟

أمي مرضت بالسُّكري، قبل رمضان بثلاثة أشهر. صامت اليوم الأول بنجاح، وراحت تسخر مني. بعد أذان العشاء بربع ساعة، نادت عليّ الخادمة مستغيثة: أمك أُغمي عليها.

قمتُ بسرعة، واتّجهتُ إلى غرفتها، حضنتُ رأسها، أناديها: أمي، أمي.. وكادت عيناها تندلق. عرفتُ أن السُّكر نزل كثيرا، لم تتناول ما يكفي من الطعام. أركبتُ أمي على ظهر الخادمة، ساعدتها للوصول بها إلى سيارتي. كنتُ أقود بسرعة متجهة إلى المصحة، فإذا بي أرى أمواجا من المصلين قائمين، ركعوا، ثم سجدوا.  ظللتُ أصرخ، أشتم وألعن. خرجتُ من السيارة، رأيتُ بعض الناس غاضبين، تعطلت مصالحهم. ركبتُ سيارتي، واخترتُ طريقا آخر.

كانت الخادمة تُشرِب أمي ماءً محلى بالعسل، وكنت أشرب دموعي التي خضبت خديّ. فجأة، بدأت تنبس ببعض العبارات غير المفهومة، فحمدت الله، لأن ما تقوم به الخادمة، كان له أثر. وصلنا المصحة، أخذت الإسعافات الطبية، استفاقت من غيبوبتها، فحذرها الطبيب، وأرهبها قائلا: إنك تريدين الانتحار، والله ينهى عن ذلك.  رجعنا إلى المنزل في الساعة الواحدة صباحا.

فتحتُ حاسوبي، وكتبتُ تدوينة غاضبة، بعنوان: “فوضى التراويح” جاء فيها: “يا عباد الحريرة، يا شعب النفاق.. متى كنتم تعشقون الصلاة؟ متى كنتم تذهبون إلى المساجد؟ متى كنتم تصلون العشاء بالمئات والآلاف؟ إنكم منافقون، تعبدون الله في شهر واحد، وتعصونه في باقي الشهور. أسكرتكم أنانيتكم، وملأتم الشوارع، وقلتم: طز في المرضى.. هل بهذا التدين الأعور تريدون الاقتراب من ربكم؟ إذا كنتم تفتخرون بهذا التدين، فتبّا لكم!”. نشرتُ التدوينة، وأفرغت غضبي الحارق. تسللوا إلى صوري، التي أشاركها مع أصدقائي، واختاروا صورة لي أرقص في عرس، وكتبوا على الصورة المركبة: “الشيخة تكره التراويح، لكنها تعشق هز الأرداف”. كنتُ أتوقع ردود فعل غاضبة، لكن لم يخطر على بالي أن يتم سحلي بهذا الأسلوب الانتقامي التحريضي في شوارع الفيسبوك.

أنا مهندسة معلوميات، عزباء، لم أتجاوز منتصف الثلاثينات. تساءلت بعد الهجوم عليّ، قائلة في نفسي: هل صلاة التراويح فعلا تستحق هذا الغضب؟ بصراحة، كنت أصلي في طفولتي، رفقة أمي. عشت حياة ليبرالية، انتميتُ إلى مرجعية لا تهتم بالدين. حينما كنت طالبة، أكلت أيام  رمضان، أحد المواسم الدراسية. عشت بجوار رفقة لا تعير أدنى اهتمام للتدين، بل كانت تسخر منه.

لم أهاجم من شتمني، لم أرد أن أروج نفسي كضحية. تسألت مبتسمة: لماذا لا أكون مغربية مثل باقي المغاربة؟ في اليوم السابع من رمضان، فاجأت أمي بارتداء حجاب أنيق. سألت الخادمة عن كيفية الاغتسال والوضوء، ذكرني شرحها بأستاذ التربية الإسلامية. تذكرت سور القرآن، التي لازلت أحفظها، خجلت من نفسي.

كنت أُوصِل أمي والخادمة إلى المسجد، ثم أرجع إلى المنزل لمتابعة المسلسلات، هذه المرة، أتجه لاستكشاف عالم التراويح من الداخل. طوفان من الناس، اندهشتُ حينما رأيت مصلى النساء، اكتظاظ يخنق الأنفاس، وكنتُ أتساءل: لماذا كل هذا؟ كانت أمي والخادمة، تقولان لي: أصبحت جميلة وفاتنة، الحجاب زادك جمالا. أوصتني أمي أن أصلي تحية المسجد. أول مرة أقول الله أكبر، وأنا في سن الرشد، قلتها، ولم أستطع بعدها، استظهار الفاتحة، لم أتذكرها. حاسة واحدة كانت متوهجة، عيني، دموعي تسيل دون استئذان، تذكرت كلمة واحد: يا رب. هكذا صليت أول صلاة. جلستُ في مكاني، وإذا بي أرى، امرأة تصرخ في وجه امرأة أخرى، تطلب أن توسع لها في المجلس، فرفضت. انطلقت معركة بالأيادي. كان الأطفال يعبثون بين الصفوف، نسمع بكاءهم وقهقهاتهم. بعد الانتهاء من الصلاة، رحنا نتمشى بجوار المسجد، وإذا بشاب يعانقني بنظرة قاتلة. ارتبكتُ، وجهه لا يفارقني، تأملت فيه، لا تبدو عليه علامات المعاكسات الصبيانية. رجعنا إلى المنزل، ولم أتذكر من التراويح إلا بكائي والنظرة القاتلة. ابتسمتُ، قلت في نفسي: اكتشفتُ حقيقة التراويح. استرجعتُ ما وقع، شعرتُ بطمأنينة غريبة، وجدتُ لقلبي مكانا داخل المسجد وخارجه. بدأت أحفظ بعض السور، وأتحدث عن التراويح كثيرا، وفي اليوم الموالي خرجنا قبل الأذان. كنتُ لا أتوقف عن البكاء، وأنا أسمع إماما يقرأ القرآن بصوت ندي. انتهت الصلاة، ورحنا نتمشى، رأيتُ صاحب النظرة القاتلة، بوجهه الآسر، يبحث عني، قال لي كلمة واحدة، جعلتني أقهقه بشدة: والله راك عجبتيني، وأنا ناوي المعقول. قلت في نفسي: هذا ومثله من يصلي في الشارع العام، ها هو جاءني محبا. رحتُ أردد كالمجنونة فوضى التراويح، فوضى التراويح!.

شارك برأيك

مغربي ساكن فالمغرب

يقول المثل المغربي: “بوكرن يطير وينزل يبقى بوكرن” .. نعم أغلب الناس منافقون لكن رغم ذلك فهم يستجيبون لأمر الله في رمضان بعد أن ضعف شيطانهم أما أنت فمصيبتك أكبر لأن شيطانك لا يضعف لا في رمضان ولا في غيره … أتعلم لِمَ ؟ لأنك منسلخ من الدين، أفكارك خبيثة وقلبك أخبث..
أضحكتني بطلة قصتك العزباء حين علمت أنها مهندسة معلوميات ومع ذلك تسللوا إلى حاسوبها ثم خرجوا غانمين ! يعني أن بطلتك دون المستوى حتى في مجالها ههههه
لا دين، لا زين، لا ديسيبلين

إضافة رد