الفريسة – اليوم 24
منير أبو المعالي
  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب.. الرسوم المتحركة

  • منير أبو المعالي

    كنت هناك يوم خسرنا المعركة

  • منير أبو المعالي

    يوم الملك

منوعات

الفريسة

تصل الأحزاب، التي عادة ما تُتهم السلطات بالوقوف وراء تأسيسها، إلى ذروتها ثم تخبو لسببين رئيسين، غالبا ما يكونان متصلين؛ حرمانها من كراسي الحكومة التي ولدت من أجلها، أو/و حدوث عمليات انشقاق مدبرة داخلها. في كلتا النتيجتين، لا يكون لمثل هذه الأحزاب بعدها أي مستقبل مشرق. حدث ذلك لحزب التجمع الوطني للأحرار عندما رتبت السلطات انشقاقا داخله بعد ثلاث سنوات فحسب من تأسيسه عام 1978، وحصلنا على حزب ثانوي اسمه «الحزب الوطني الديمقراطي»، انتهى بعد زوال عهده بالحكومات إلى العدم. أما التجمع الوطني للأحرار، فإنه لم يُظهر علامات صحة جيدة حتى وقت قريب، رغم استمراره في المشاركة بالحكومات. وقع ذلك أيضا لحزب الاتحاد الدستوري دون أن يُبذل أي مجهود في شق صفوفه، فقد كان كافيا أن تُبعده عن المجالس الحكومية حتى ينهار.

يكون الأمر وكأن الغرض من «مُقدم الخدمة» قد انقضى، ولم تعد الحاجة قائمة إلى من فُوّض إليه تنفيذها. لكن «الغنيمة» من وراء هذه «البلبلة» الروتينية عادة ما تُوزع على المنتفعين الجدد من «طلب الخدمة» نفسه، أي الأحزاب التي ترعاها الإدارة ذاتها، قبل أن يُصبح اليسار مشاركا في الاقتيات من هذه التركة.

بشكل معين، تبدو هذه العمليات وكأنها عبارة عن «إضعاف مدروس وتدريجي»، وليس تخليا تاما. إذا لم تكن السلطات تريد أن تُغير طريقتها في تشكيل الأحزاب السياسية، فإنها، بشكل تلقائي، لن تسمح باندثار أعمالها جميعا. لا بد للعجلة أن تدور ثم تدور.

هذه دروس لا يجب نسيانها، ومن المؤكد أن حزب الأصالة والمعاصرة، في هذه الفترة، يفهم معانيها. فهو الكيان السياسي الأكثر حداثة، كما هو الأفضل تحديثا في تطبيقات تشكيله البشري، في ما صنعته الإدارة حتى الآن. لكن، ليس كل ما يلمع ذهبا، ويكفينا التشخيص الشائع والصحيح، والممل أيضا، بأن لهذا الحزب وثيقة ازدياد واحدة لا يمكن أن ينمو معها ليصبح شيئا آخر غير ملاقاة ذلك المصير الحتمي.

مثلما حُكمت أحزاب الإدارة دائما، فإن المركزية الأوتوقراطية، كما يسميها بعض أطر حزب الأصالة والمعاصرة، هي الطريقة الوحيدة لضمان فعالية تدبير الجهد البشري الذي يقف وراء تلك القوة الهائلة والفجائية. وإذا ما سُمح بقدر معقول من روح الحرية، فإنه سيُفسد المفعول الضروري لمفهوم الحزب الإداري. وقد طوّر «البام»، مع ذلك، نوعا من الديمقراطية غير الليبرالية، حيث تبدو مظاهر العملية الديمقراطية سليمة، لكن دون السماح بأي تأثير داخلي يدفع، بأي شكل من الأشكال، نحو تغيير الطريقة المعتادة لإقرار الحكم. لم يفعل بنشماش في هذه المرحلة سوى تطبيق هذا الأسلوب النموذجي في الحكم داخل أحزاب ترعاها الإدارة. لكنه ضحية أيضا لنموذج حزبه، حيث يصبح تنامي مشاعر الديمقراطية خطرا على البناء المؤسسي للهيئة كلها. وفي عهده، غُذيت هذه المشاعر بعنف غريب.

يرغب بنشماش في لعب دور مناور؛ أن يستعيد السيطرة كليا على مؤسسات حزبه، ثم أن يُقدم نفسه ضحية يجب أن تحظى بالتعاطف. ألاعيب السياسيين هي هذه، وإن سارت على نقيض الطبيعة. إننا لسنا واثقين مما إذا كانت هذه الخدعة ستنجح كما يحدث في ألعاب الورق، لكنها قد تمنحه بعض الوقت لتمضيته في مزيد من أعمال التحصين. بالطبع، لا يمكن توقع ما سيفعله معارضوه، وفي غالب الأحوال، سيحدث أن يُعقد مؤتمر الحزب دون أمينه العام، ولقد وقع ذلك في السابق، وليس مستبعدا ألا يتكرر. الرسالة الموجهة إلى وزارة الداخلية من لدن بنشماش لكي تساعده على وقف العصيان، ملمح معبر وذو سوابق عن المشهد النهائي الذي يقف فيه رئيس الحزب وحيدا ومذهولا.

لكن، في هذا المشهد أيضا، من المحتمل أن يكون بين أيدينا حزب خائر القوى، أكثر مما عليه الآن. حينها، سيظهر مثل فريسة يسهل الانقضاض عليها. ومن سيتكفل بفعل ذلك؟ الكيان المشابه له بشكل رئيس؛ حزب التجمع الوطني للأحرار.

الدورات التاريخية ليست دائما كاملة، ويمكن المنهجية المنقوصة في تدمير أحزاب الإدارة أن تُنشّط، في وقت لاحق، عملية إعادة خلق مرعبة. فالتجمع الوطني للأحرار لم يكمل دورته بشكل كامل حتى تذروه الرياح، وظل بديلا احتياطيا جاهزا كل مرة أخفق فيها اللاعبون الأساسيون في إتمام المهمة. للتاريخ، كما يقال، طرق غريبة.

لكن التجمع الوطني للأحرار لا يمكنه أن يتقدم أكثر بالاعتماد على وسائله وحده. يحتاج إلى تلك الدفعة الهائلة نحو الأمام، أي إلى ذلك الجهد البشري القادر على تغيير نتائج الانتخابات. وليس هناك من هو أفضل لكي يكون غنيمة حرب لم يخضها، وتحتوي على كل العناصر التي سيحتاج إليها في حربه المقبلة، مثل حزب الأصالة والمعاصرة. لقد سبقت التحذيرات من هذا السيناريو من لدن بعض قادة الحزب أنفسهم، فهاجس الإضعاف المدروس لحزبهم قد يؤدي، في نهاية المطاف، إلى الحصول على حزب «يساري» مشوه، شبيه بالنسخة الجديدة لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حيث بالكاد يستطيع قادته تكوين فريق برلماني مسنود فقط بالأعيان، أي كيان مبتذل آخر.

كان لبارون روتشيلد، وهو نبيل بريطاني فاحش الثراء عاش في القرن الثامن عشر، قول مأثور: «عندما تكون هناك دماء، فعليك أن تبدأ بالأعمال». ومن دون شك، فإن عزيز أخنوش يعرف روتشيلد، ومطلع على كيفية تكوينه ثروة طائلة باستغلال حالة الفزع التي أعقبت خسارة نابليون بونابرت في معركة واتر لو. كما يعرف أن جدران حزب الأصالة والمعاصرة قد لطخت بالدماء في الوقت الحالي. وقت مناسب فعلا.

وكأشخاص متطلعين إلى مستقبل أفضل، فإن هذه الوقائع وتحليلها أمر مهم دون شك، فالعودة المُحتملة لحزب كالتجمع الوطني للأحرار، وإن كانت غير قابلة للاحتمال من الوجهة التاريخية، فهي ليست سوى الطريقة القاسية لتعليمنا درسا جديدا في التاريخ، وهو أن الأعمال السيئة لا تنال دائما عواقبها. وإن كُنتُم تعتقدون أن أحزاب الإدارة عمل سيّئ، فيجب أن تتيقنوا من أنكم تملكون رأيا فقط. وفي الغالب، فإن الآراء لا تعبر عن أي شيء ذي صلة.

شارك برأيك