«رائحة الأركان».. لالة يطو: منة من الزمن الجميل -الحلقة15 – اليوم 24
وهبي
  • وهبي

    القائد السياسي

  • نقاش دستوري هادئ

  • الجيش والبترول

فسحة رمضان

«رائحة الأركان».. لالة يطو: منة من الزمن الجميل -الحلقة15

جرت العادة أن يكتب الأدباء والمثقفون عن الأشخاص المرموقين، سياسيين ورياضيين، علماء ومثقفين، غير أنه في هذه التجربة نجد أن عبداللطيف وهبي، ابن بيئة سوس بعبق رائحة الأركان، اختار الكتابة على رموز بسيطة وسط الشعب وبخاصة وسط جهة سوس، لها ذلك الحضور الجميل في حياة الناس مقابل غياب كلي في الواجهة العامة التي تغري السياسيين، لما لهذه النماذج الإنسانية البسيطة من قدرة كبيرة على اختزال قيم إنسانية تتجاوز محورية حب الذات.

كان لـ(الحاجة لالة يطو) ولايزال مجموعة من الأدوار الاجتماعية المهمة التي راكمتها بأعمال الخير وبالحكمة والاستقامة وبالصدق مع الناس وبالتعفف. إذ لاتزال ملاذ الشباب لتتدخل عند أسرهم من أجل طلب ما، كما كانت ملجأ العائلات لإيجاد عروس أو عريس لأبنائها، فمعرفتها وقربها من الناس يسمح لها بالتدخل في الحياة الخاصة للعائلات، يعطيها هذا الشخص بعض النقود مساعدة لها، وما أن تقطع جزءاً من الطريق وتجد عائلة معوزة حتى تمدها بالمال نفسه، الذي حصلت عليه من غيرها، أما غذاؤها وكل زادها، فتعتبره في علم الغيب وأن الله لا ينسى عباده. كانت كما تقول لها قدرة كبيرة على اختراق البيوت والقلوب، لا تهتم بالزمن فلا قيمة للوقت لديها إذا لم يكن مقرونا بالإحسان والسؤال عن الناس.

تحضر (الحاجة لالة يطو) جميع الأعراس وجميع المناسبات من غير أن تُدعى إلى ذلك، بل مكانتها مهمة وشرف كبير أن تحضر في أي مناسبة اجتماعية، تسمي أطفالا ولدوا وتحضر حفلات عقيقتهم بشكل تلقائي، وليس غريبا أن تكون قد حضرت عقيقة آبائهم، كذلك.

حتى التواريخ عند (الحاجة لالة يطو) مرتبطة بالأحداث، تحدثك بأن هذا الشخص ولد عندما وقع كذا، أو هذه السيدة ازدادت عندما مات فلان، وذاك توفي بعد سنة أو سنتين من هذا الحدث، كان كل حديثها مع الناس هو السؤال عن أحوالهم وقضاء حوائجهم، لم تكن «النميمة» أبدا من أخلاقها ولا تعرف للسانها طريقا، تدعو الله أن يمنَّ على الناس بالمطر، وهي التي لا تملك أراضي فلاحية ولا أشجاراً، تسأل الناس عن آبائهم وعن أبنائهم وعن أحوالهم، تبكي لأحزانهم وتفرح لسعادتهم.

وعندما تجاوزت (الحاجة لالة يطو) المائة من العمر، فقدت البصر وعادت إلى بيتها القديم تجلس تحت شجرة الأركان، كل أهل المدشر في خدمتها، ترفض الصدقات ولا تريد نقودا، فأهل القرية يمنحونها الطعام، ونساء المدشر يقمن بباقي الخدمات بما فيها مصاحبتها إلى الحمَّام، حريصة على أداء فرائضها الدينية في وقتها، وبين وقت العصر والمغرب تكون مختلية بنفسها على جانب الطريق تحت ظل شجرة الأركان.

عندما تسألها: ماذا تنتظرين؟

تجيب بسخرية ممزوجة بابتسامة: بطبيعة الحال الرحيل عن هذه الدنيا الفانية.

(الحاجة لالة يطو) تعتبر نفسها نالت نصيبها الكامل من الدنيا، ومن الإنصاف التعجيل برحيلها.

مثل هذه الوجوه وهؤلاء الناس لم يعد لمثيلهم وجود بيننا، فكل منا متمسك اليوم بالحياة أكثر، إما من أجل مال أو منصب أو مصلحة أو من أجل فتات الوجود.

حدثتني (الحاجة لالة يطو) طويلا عن المرشحين الذين مروا في حياتها أغلبهم غادر هذه الدنيا، كلمتني، كذلك، عن الملك محمد الخامس وعن زيارة الملك الحسن الثاني للمنطقة، بل أكدت لي أنه حينما حضر الملك محمد السادس إلى «تالوين» كانت واقفة بين الحضور، لم تستطع أن تراه لأن بصرها ضعيف لكنها سمعت الناس تهتف باسمه وتدعو له بطول عُمْره حين كانت سيارات الموكب تمر من أمامها.

شعرتُ بعد لحظة أنني أنهكتها وبدأت الشمس تختفي وراء الجبل. لقد حان وقت دخولها إلى البيت.

سألتني مجاملة: ألا تريد أن تقضي الليل في بيتي؟

كان يصعُب عليّ أن أعتذر، لكن التزاماتي كثيرة، أخبرتها بلباقة أنني في اتجاه نحو موعد مهم، وقفت ممسكا بيدها والقلة بيدي اليسرى. في حقيقة الأمر كانت هي التي تدلني على الطريق، فربما كنت أملك البصر، ولكنها هي لاتزال تملك البصيرة.

وصلت (الحاجة لالة يطو) إلى بيتها، قبَّلتُ رأسها مودّعًا، فطلبت مني أن أنتظرها عند الباب، بعدما اعتذرت لها عن الدخول، اختفت وعادت بعد لحظات وفي يدها زجاجة صغيرة من زيت الأركان، خذ يا بني وتناوله في فطورك كل صباح إنه مفيد للصحة، ولا تَنْسَ بلدتك عندما تنجح في الانتخابات. أخرجت من جيبي بعض النقود، ربما، تكون في حاجة إليها، وضعتها في يدها، ضحكت وقالت: هل هذه نقود؟

أجبتها: نعم.

ردت: ماذا سأفعل بها.

قلت لها هذه هدية مني إليك.

قالت: انتظر قليلا، ثم نادت على سيدة من جيرانها، نزلت امرأة اسمها «زينة» سألتها: هل تعرفين هذا الرجل؟

أجابت: نعم، إنه المرشح ابن الحاج.

سألتها: هل اشتريت الدواء لطفلتك المريضة؟

أجابتها: لا، لم يعد زوجي بعد من السوق، أخذت النقود التي وضعتها في يدها وقالت لها اشتري بها الدواء واشكري ابن الحاج، فإنه هو من منحك هذا المبلغ.

شكرتني المرأة بقوة ثم قالت لها (الحاجة لالة يطو)، اذهبي واهتمي بابنتك المريضة.

توجهت إليها طالبا أن تدعو لي قالت: «الله يرضي عليك ويبعد أولاد الحرام من طريقك».

استدارت وقالت: أنا أيضا احتاج إلى دعواتك؟

كيف. وأنت من أهل الدعاء والبركة؟

قالت: «أدعُ لي بأن يلقاني ربي في أقرب وقت، وهو راض عني».

نزلت الهضبة والدموع تغالبني، ألم أقل لكم إن مثل هذه الكائنات الاستثنائية انقرضت من الوجود.

بعد شهر ونحن في حفل عقيقة لأحد أبناء القرية يقطن بالدار البيضاء، سألت الجمع الذي كان يضم عدداً من أبناء منطقتي وأصولي عن أحوال (الحاجة لالة يطو)، فأخبروني بأنها انتقلت إلى عفو الله. ألم تكن تلك هي أمنيتها الوحيدة والأخيرة. رحم الله امرأة بسيطة لم تفعل إلا الخير في هذا العالم الذي زهدت فيه.

شارك برأيك