«اليوم24» يكشف أسرار التربية الدينية التي خضع لها الحسن الثاني – اليوم 24
الحسن الثاني
  • حسن حمورو

    حمورو: وزارة الشغل مسؤولية ثقيلة وتحملها مغامرة -حوار

  • بنكيران

    البيجيدي: مطالبون بطَيِّ صفحة بنكيران واستخلاص العبر وتجاوز تداعيات تلك المرحلة

  • بنكيران

    الخلفي: جميع القرارات التي صدرت بعد إعفاء بنكيران اتخذت بطريقة جماعية

مجتمع

«اليوم24» يكشف أسرار التربية الدينية التي خضع لها الحسن الثاني

«يمكن القول إنني رجل متشبع بالثقافة الإسلامية، وأسعى إلى السعي ببلدي نحو الحداثة، تلك الحداثة التي لا تجعلنا نفقد هويتنا، ولكنها تتيح لنا أن نتقدم بالسرعة نفسها التي تسير بها البلدان الأخرى»، بهذه الكلمات كان يلخص الحسن الثاني علاقته بكل ما هو ديني، ويكشف أسرارا مثيرة من شخصيته العلمية التي اكتسبها من المسيد على يد فقهاء مغاربة ذاع صيتهم. فهو بهذا الوصف، الذي يقدمه عن نفسه، يظهر جوانب خفية من شخصيته الدينية التي مكّنته من امتلاك ناصية العلم الشرعي، ورؤية خاصة للإسلام أدهشت محاوريه بسبب اطلاعه الواسع على الثقافة الدينية، فهو يعتقد جازما «أن التطور يفرض علينا أسلوبا جديدا في التعامل مع تراثنا الحضاري بجميع جوانبه، أسلوبا جديدا يتيح للمسلم والمسلمة أن يندمجا في المجتمع التكنولوجي الذي يعيشان فيه، وأن ينسجما مع هياكل الحضارة الحديثة، في إطار الأخلاق الإسلامية السامية، دونما شعور بالاغتراب أو التناقض أو الانفصام أو الدونية والإثم».

حين قال الحسن الثاني: لا حد للكمال ولا نهاية للفضيلة

«معشر السادة والأساتذة، رأيت من الواجب عليّ أن أقوم بحديث، ولو بشكل فضولي متطفل عند انتهاء الدروس الدينية التي تقام كل سنة في شهر رمضان، وقد أجهدت نفسي على أن لا أرجع إلى مرجع، ولا أطالع كتابا ولا تفسيرا أو تأويلا حتى يكون حديثي هذا بمثابة امتحان لي فحسب»، هذه كلمات قالها الملك الحسن الثاني قبل أزيد من 50 سنة، افتتح بها أول درس حسني ألقاه بنفسه أمام العلماء وسفراء الدول الإسلامية، بداية حكمه، كشف فيها عن وجهه الآخر، حين ارتدى جُبة عالم الدين، منافسا بذلك أكبر العلماء من خريجي القرويين، منافسة فقهية شرسة دفعته لمناظرة ضيوفه من العلماء ومحاججتهم بالدليل.

في هذه الدروس التي كشف فيها الحسن الثاني بعضا من أسرار إلقائه دروسا دينية بنفسه، قائلا: «إن جيله رغم ضيق علمه، وعدم اتساع اطلاعه ومعرفته، باجتهاده وبمقارناته، أمكنه أن يعلم ولو النزر القليل من الديانة الإسلامية والسنة النبوية، وإن نحن – والعياذ بالله- لم نوفق، فسيكون لنا ذلك حافزا لأن نسعى دائما وراء العلم، ونعاشر أهل العلم، ونجالسهم، حيث إنه يقال: لا حد للكمال، ولا نهاية للفضيلة».

يجهل الكثير من الناس أن الملك الحسن الثاني الذي أعاد واحدة من الطقوس الدينية المتجذرة في التاريخ لسلاطين المغرب إلى الواجهة، وهو يحرص على تقوية نفوذه الديني الذي منحته إياه صفة إمارة المؤمنين عشية جلوسه على عرش المملكة، أن الدروس الحسنية التي دشنها في بداية ستينيات القرن الماضي، لم يقتصر فيها على أخذ الكلمة وهو يقاطع بعض العلماء ليستوقفهم في جزئية فقهية يشرحها أو يظهر عدم اقتناعه بتفسيرها، بل إن المثير في قصة هذه الدروس الحسنية الرمضانية، هو عندما حرص الحسن الثاني على ارتداء جبة الفقيه، من المكان المقابل للمنبر المخصص لإلقاء الدروس، وبحضور شخصيات علمية في الدولة وعلماء من العالم الإسلامي حلوا ضيوفا عليه، وأمام سفراء الدول الإسلامية. وفي هذا السياق يؤكد إدريس الكنبوري، الباحث في الشؤون الدينية، أن «الدروس الحسنية التي ألقاها الملك، ليست خطبا سياسية موجهة إلى الشعب أو الجماهير، بل هي دروس موجهة إلى العلماء الحاضرين معه في قصره. فالتقليد، الذي جرى عليه العمل في الدروس الحسنية، هو أن يجلس العالم الذي يلقي الدرس قبالة الملك، ووراءه الحاضرون والضيوف الذين يتوجهون كلهم أيضا ناحية الملك، لكن مع نوع من التكريم للعالم الذي يلقي الدرس بحيث يكون مجلسه أعلى قليلا من مجلس الملك نفسه، لكن في حالة الملك وهو يلقي الدرس الديني كان الأمر مختلفا، فقد تم الحفاظ على الإخراج عينه، لكن اختلفت الدلالة، لأن شخصا واحدا هو الملك هنا أصبح يتجه إلى الجميع ويلقي عليهم الدرس، لكن دون أن يكون مجلسه مرتفعا عنهم، وهذه علامة تواضع».

ما يثير الدهشة في قصة إلقاء الحسن الثاني لدروسه الحسنية بنفسه، هو تمكنه من ناصية العلم الشرعي، وتميزه بشخصية علمية استطاع بها أن ينافس أقوى علماء الدين، رغم أنه يعترف في حضرتهم بأنه ليس «من الفقهاء ولا من المحدثين ولا من المفسرين المتخصصين، فسلفا نرجو منكم التسامح، ونطلب من لله سبحانه وتعالى أن يعيننا».

كان سر إلقاء الحسن الثاني للدروس الحسنية بنفسه، هو محاولة منه الإسهام بنصيبه، ليس «كمفسر ولا كمحدث ولا كعالم ولا كأستاذ، ولكن كراع عليه مسؤوليات الراعي، ومسؤوليات الراعي – كما تعلمون- هي مسؤوليات جسام ومتعددة في أنواعها وأزمنتها وأمكنتها، ولما كانت هذه الرعاية تصادف شهر رمضان الذي هو شهر الصيام والإمساك عن كل معصية، وشهر الإنابة إلى لله تعالى – صارت رعايتنا- اعتبارا للزمان وللمكان في شكل تقديم بعض النظريات من شأنها أن تعزز جانب الدين في قلوبنا وتثبت عليه أقدامنا».

في يوم 5 دجنبر 1968، سيكشف الراحل الحسن الثاني أن مشاركته بإلقاء دروس دينية بنفسه، ليست رغبة منه في أن يكون «ندا للعلماء من حيث التعلم والصناعة والفقه والحديث»، فهو يضع لمشاركته أساسان كما قال: الأساس الأول «أن النصيحة التي أوجبها لله على جميع المؤمنين في حق من ولاه لله أمرهم، أوجبها من باب التبعية على أمير المؤمنين هو الأول بالنسبة إلى رعايته»، والأساس الثاني لهذه المشاركة الفعلية، يؤكد الحسن الثاني، هو «أن نحاول جهد المستطاع أن نظهر بتواضع وأن نستسمح لله فيما يمكن أن نرتكب من أغلاط»، لكن يعود الملك ليكشف سر قوته العلمية وهو يأخذ بناصية العلم الشرعي ويبرع في محاورة العلماء ومنافستهم على مائدة الفقه والاجتهاد، فيعترف أن من أسرار قوته أن «لكل شاب نشأ مثل نشأته، وتلقى مثل تربيته، ودرس دراساته، وتثقف بازدواجيته، فالله إذا فتح قلب الإنسان وبصره وبصيرته أمكنه أن يدلي ولو بنصيب قليل في تعريف الإسلام، وفي تفهيمه بطريقة عصرية واضحة غير تقنية ولا علمية».

إذن، هي تنشئة الملك التي ميزته علميا وفقهيا أمام العلماء المغاربة، ولِمَ لا أمام ملوك وأمراء العالم الإسلامي، فهذه الشخصية العلمية اكتسبها الحسن الثاني، يؤكد، مؤرخ المملكة، عبدالوهاب بنمصور، في كتابه «الحسن الثاني»: حياته وجهاده ومنجزاته»، منذ تنشئته كأمير، فيحكي بعضا من أسرارها «تلقى الحاجب الملكي رسالة سيده السلطان المتغيب في فرنسا، وكانت رسالة موجزة الألفاظ مقتضبة العبارات على العادة التي جرت في تحرير الرسائل السلطانية المتعلقة بموضوع شبيه، ومع ذلك، فقد فهم منها الحاجب كل ما يجب عمله في عقيقة الأمير الوليد، لأن من قواعد الحجابة أن يفهم متوليها المضامين البعيدة لرسائل السلاطين على ما فيها من اختصار، وأن يكتفي بتلويحهم عن تصريحهم، ويلم بجميع الأعراف والعادات التي يجب اتباعها والقيام بها في غيبهم وشهادتهم».

الأسرار الخفية في تربية الأمير

يقول بنمصور، وهو يتحدث عن الجوانب الخفية في تربية الأمير الحسن، «.. وعاد السلطان من فرنسا يوم الثلاثاء 13 غشت 1929، لينعم ببسمة وليده العزيز ويتملى من إشراقة محياه، وأصبح شغله الشاغل أن يعد بنفسه برنامجا محكما لتربيته بدنيا وفكريا، وتعليمه متناسبا مع مقتضيات العصر وعظمة المسؤوليات التي ستُناط به يوم يشتد ساعده ويصلب عوده ويدعوه إلى تقدم الصفوف في معركة سيخوضها مع شعبه..»، وحتى ذلك الحين يضيف مؤرخ المملكة، «لم يكن تعليم الأمراء يختلف عن تعليم من أسعده الحظ من أبناء الشعب بالدخول إلى المسيد فالجامع، يبدأ بتعليم الكتابة والقراءة تقليدا من غير إتقان قواعدهما، وحفظ ما تيسر من القرآن الكريم، محاكاة دون فهم لمعانيه ولا معرفة بما يتضمنه من أحكام وأخلاق وقصص مواعظ، فإذا حذق القرآن وكان مراد أهله أن يوجهوه توجيها علميا انقلب إلى طالب يقرأ العلوم ويحفظ متونها، كالأجرومية في النحو، والمرشد المعين في الفقه، والمقدمة الصغرى في التوحيد، والحساب، وكلما حفظ متنا وفهم ما فيه من قواعد انتقل إلى متن في نفس الموضوع أوسع من الأول كامل وأشمل موضوعا، فالأجرومية تتلوها الألفية، والمرشد المعين تتبعه الرسالة، والمقدمة الصغرى تعقبها الوسطى فالكبرى أو إضاءة الدجنة، وإتقان علم من العلوم يفضي حتما إلى قراءة علم يرتبط معه بسبب، فبعد النحو يدرس الصرف لمعرف الاشتقاق، والعروض لوزن الشعر، والبلاغة لتجويد الإنشاء، وتمييز الكلام من محسنات، ومن الضروري حفظ بعض الخطب النثرية والقصائد الشعرية، الشهيرة كخطب الإمام علي والمعلقات السبع أو العشر للاستشهاد، بما فيها من حوشي اللفظ وشذوذ نحوي وصرفي ناشئ عما أثر عن القبائل العربية من لهجات..».

شارك برأيك