«رائحة الأركان».. الحاج احماد: لم الديني بالسياسي! -الحلقة 17 – اليوم 24
وهبي
  • مغرب 2021 (4)

  • (مغرب 2021) «2»

  • مغرب 2021

فسحة رمضان

«رائحة الأركان».. الحاج احماد: لم الديني بالسياسي! -الحلقة 17

جرت العادة أن يكتب الأدباء والمثقفون عن الأشخاص المرموقين، سياسيين ورياضيين، علماء ومثقفين، غير أنه في هذه التجربة نجد أن عبداللطيف وهبي، ابن بيئة سوس بعبق رائحة الأركان، اختار الكتابة على رموز بسيطة وسط الشعب وبخاصة وسط جهة سوس، لها ذلك الحضور الجميل في حياة الناس مقابل غياب كلي في الواجهة العامة التي تغري السياسيين، لما لهذه النماذج الإنسانية البسيطة من قدرة كبيرة على اختزال قيم إنسانية تتجاوز محورية حب الذات.

يبدو أن الناس جميعا بتارودانت وسوس يعرفون (الحاج احماد). رجل من أبرز وجوه العمل الخيري بجهة سوس، شيخ وقور، يتسم بنحافة البنية، كثير النشاط، كثيف التحركات، يتميز بخفة دمه وابتساماته المعهودة فيه دائما، تجعله شابا مليئا بالحيوية رغم أنه تجاوز الستينيات من عمره.

ما أن يسلم عليك (الحاج احماد) حتى يبدأ هاتفه يرن كأن شركة الاتصالات لا تشتغل إلا لفائدته، وحينما تكون بجانبه في الشارع عليك أن تسلم على جميع الناس كهولا وشبابا، ويبدو أن الناس في سوس يعرفونه كلهم صغيرهم وكبيرهم.

لا تجد (الحاج احماد) إلا لابسا جلبابه الأبيض، يمسك هاتفه المحمول من النوع القديم بيده اليسرى، ذاكرته قوية، وقدرته خارقة في حفظ أرقام معارفه. في كثير من الأحيان يطلب منك الاتصال بشخص معين ليس بالبحث عن اسمه المسجل، كما هي العادة في لائحة الأصدقاء على شريحة هاتفه، أو في ورقة مكتوبة، بل يسرد عليك رقمه الكامل الذي يمليه عليك حرفيا من ذاكرته.

وما أن يُعقد جمع معين ويحضره حتى يصبح (الحاج احماد) إماما له، ولا يخرج من هذا الاجتماع ليدخل آخر حتى يختم بدعاء للحاضرين وللبلد بالأمن والاستقرار. تجده دائما يتدخل لهذا لدى ذاك، يجمع المال من الناس للمساعدة في بناء هذا المسجد أو لمساعدة تلك المدرسة العتيقة أو لقرية تحتاج إلى بئر أو لشراء أنابيب الماء لتروي عطشها، وكما يقول «فكل المال هو مال لله ويجب أن يسخر في خدمة وقضاء حاجات عباد لله».

سيارته لا تترك مكاناً في سوس ولا في ربوع المغرب إلا ومرت على طرقاته، كأن التعب لا يعرف سبيلا إلى جسده. في أسبوع واحد تجده قد تنقل إلى هذه المدينة في أقصى شمال البلاد ليعزي ذلك الشخص، وفي اليوم الموالي يسافر إلى الريف ليهنئ هذا الشخص أو لمشاركة عائلة في فرح من أفراحها، وفي اليوم الذي بعده ينتقل إلى الجنوب ليعود مريضا أو يزور مدرسة عتيقة، فهو دائم السفر في السؤال عن أحوال الناس والأصدقاء والعائلة، يشاركهم أفراحهم وأتراحهم بمبادرة منه، فقط عليه أن يعلم بالخبر ليتحرك.

حينما ألتقي (الحاج احماد) أقول له مبتسما: «أنت أكبر زبون لشركة الطريق السيار»، فهو كثير السفر والتنقل من أجل فعل الخير بمختلف ربوع المغرب، يحدثك عن معالم المدن المغربية وقراها بتفاصيل وعن عادات الناس بها، وحينما يتعب ينام إما في السيارة أو يختار بيتا من بين بيوت أصدقائه الكثيرين، فكل البيوت بالمغرب مفتوحة في وجهه، ويسعدها استقبال (الحاج احماد).

(الحاج احماد) من طينة خاصة في أوائل الستينيات من عمره، اشتعل رأسه شيبا، له لحية خفيفة وجسم نحيف، يخفي رشاقته وراء جلبابه، رجل حافظ لكتاب لله، معرفته واسعة بأحاديث رسوله (صلعم)، جميل الرفقة، خفيف الظل، لا يثقل على الناس، يسعى دائما إلأى مساعدتهم على حل مشاكلهم، والناس يساعدونه على تحقيق مبتغاه، ومن غريب الأطوار أنه لا يحتاج إلى مساعدة أي شخص، فهو نظيف الذمة، عفيف النفس، كريم السجية. عندما يهديه هذا الشخص هدية سرعان ما يتخلص منها بإهدائها لشخص آخر ولا يرى في ذلك عيبا، مادام الآخر في حاجة ماسة إليها.

كلام وحديث (الحاج احماد) لا يخلوان من آيات القرآن وحديث الرسول (صلعم)، يخلطهما ببعض من الابتسامات وخفة الدم، أو يمزجها بحكاية قصص صغيرة من الواقع أو روايات قريبة تسهل فهم الرسائل التي يريد تبليغها أو الحماسة التي يريد زرعها في الناس لفعل الخير بتواضع الكبار. وحينما يتشعب النقاش يجلس مستريحا على وسادة، غالبا ما يفترش الأرض ويتوسط الجماعة ببساطة الفقهاء وأهل الذكر.

وعندما دخل صيف انتخابات 2016 اتصل بي متسائلا بابتسامته المعهودة: هل ستترشح هذه المرة؟

أجبت. وما رأيك؟

رد عليّ ضاحكا: كفاك من المزاح فدائرتك محتاجة إليك.

(الحاج احماد) دائما بجانبي طوال فترة الانتخابات، يساندني في الجبال والسهول، لا يدق باب بيت في الجبل حتى يسأل عن أهله بالأسماء كأنه يعرفهم جميعا، يلح عليّ بأن أزور هذا الشخص أو ذاك، يقول: «للناس قدْرُهم وعندما تزورهم، تزدْ من قدْرك ومن قدْرهم، لا يمر من مكان حتى يحدثك عن مدرسة عتيقة موجودة هنا أو هناك يعرف فقهاءها ومن يشرف عليها وكم عدد تلامذتها، فكل مدرسة عانت من عجز مال إلا وهرول (الحاج احماد) لإنقاذها قدر المستطاع، يكلم هذا الثري السوسي ورجل الأعمال ذاك في الموضوع، وطلبات (الحاج احماد) أوامر لا ترد، فهو لا يطلب لنفسه، ولكن فقط لغيره وأهل بلده في سوس وغيرها، ويعتبر ذلك من فضل لله، (الحاج احماد) لا يتردد أن يرفع صوته في الهاتف أو مع الناس عندما يرى أو يسمع ما يخالف شرع لله والأخلاق.

لا يدخل مكتبا من مكتب أي مسؤول محلي أو بالعاصمة الرباط إلا حاملا ملفاته، إما لأجل طريق أو مدرسة أو منفعة عامة. يحترمه كل المسؤولين، فالرجل من أهل لله كما يقولون، لا يرد على الشتائم ولا يضيع وقته في الكلام حول أعراض الناس، يردد دائما على مسامعي: «إن المدارس العتيقة تضم حفظة القرآن وسوس وبلادنا قائمة على ذلك، ورضا لله من ذلك»، (فالحاج احماد) ما سمعت يوما تدخل لدى شخص لمصلحة شخصية، يتدخل لصالح كل الناس إلا لذاته.

علاقة (الحاج احماد) بالسياسة ترسمها تلقائيته وبساطة طريقة حديثه التي تبقى أرقى من حديث السياسيين، يقول دائما إن الوطن أولى من كل شيء وإنه يجب أن ننتقد السياسة ونترك الناس، فالكل عبيد لله، ومن الجهل شتم الناس أو إهانتهم، يردد دائما: «ولا تنابزوا بالألقاب» و«لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم». تجرأت ذلك اليوم، إن لم أقل تجاوزت حدودي، وأنا أنتقد المترشحين الآخرين، وبعد الانتهاء من اللقاء همس في أذني قائلا: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء»، نظرت إليه وقلت: هذا الرجل يريد تخليق الخطاب السياسي.

شارك برأيك