الإصلاح ليس علامة تجارية – اليوم 24

الإصلاح ليس علامة تجارية

  • التقنوقراطي والسياسي والنقاش المغلوط

  • رسائل من ملتقى شبيبة «البيجيدي»

الطبيعة تأبى الجمود، لذلك يزداد ويتجدد طموح الناس، في تغير أحوالهم إلى الأحسن والأفضل، وتثيرهم بالغريزة مسارات التغيير، ويضعون ثقتهم في كل من يتقدمهم ويقترح عليهم هذه المسارات.

الإصلاح كلمة من كلمات السر، في تفسير هذه المعادلة، وهو ما يجعلها كلمة مطلوبة في كل شعارات التغيير، وفي قاموس كل عمل يهدف إلى تعبئة المواطنين وحشدهم، وخوض المعارك السياسية معهم أو بهم.

الكثير من الأنظمة والأحزاب السياسية، تختار الإصلاح اسما أو شعارا، أو حجر الزاوية في خطابها، لتضمن قبول المواطنين بها، وبالتالي، التصويت عليها في الاستحقاقات الانتخابية، أو الاقتناع بما تقوم به وما تتخذه من قرارات ومواقف.

بعض هذه الأنظمة والأحزاب، ربما، تكون صادقة، وتبني “مجدها” السياسي على توظيف مفردة الإصلاح، وتحظى بالثقة وبالقبول، كلما استشعر المواطنون صدقها في تبني الإصلاح غاية ومنهجا، لا استغلالا للوصول إلى السلطة فقط، أو شعارا لجمع الأصوات الانتخابية، أو خطابا تدليسيا لتأبيد الصمت، أو جعله طُعما لابتلاع ما لا يمكنهم القبول به بسهولة.

هنا يحتاج المخلصون الذين يتبنون الإصلاح شعارا لمعركة نبيلة ممتدة، إلى التنبيه والنقد الذاتي، والرجوع في كل مرة إلى تجديد الصلة بالإصلاح، ومحاولة إيجاده في النفوس أولا، وفي الدوائر القريبة ثانيا، قبل أن يجدوا أنفسهم – إذا حسنت النيات منذ البداية -، وقد استغرقوا في استعمال الإصلاح كعلامة تجارية فحسب، ظنا بأن استمرار رفعه كشعار كفيل باستدامة التفاف المواطنين وثقتهم، مهما كانت المواقف والتصرفات.

الإصلاح الذي ينشده الجميع، والذي يستجيب للطبيعة ولسنن الكون، يصعب استعماله علامة تجارية، كما هو متعارف عليها في مجال التجارة، كرمز للجودة ووسيلة لضمان توطيد العلاقة بين المنتجين والمستهلكين، على الرغم من أن إسقاط هذه العلاقة في مجال السياسة ممكن، لاستخلاص أن أسباب أي انفضاض محتمل للناس من حول شخص أو حزب أو تنظيم، لها بالضرورة علاقة باختلال حاصل في الجودة، جودة الخطاب أو جودة الموقف والانجاز.

وكما لا يوجد عاصم في مجال التجارة، من تخلي الزبناء عن منتج معين، إلا الاستمرار على الجودة وتطويرها، فإنه في مجال السياسة كذلك، بقدر الحفاظ على السيرة الأولى، وبقدر الاجتهاد في التمسك بالإصلاح منهجا وغاية، بقدر ما يستمر المواطنون في التمسك بمن يرفعه شعارا، حتى إذا ظهر بالمعطيات وبالمؤشرات، أنه مجرد لوْك للكلام، وتأثيث للخطاب، أو ذرّ للرماد في العيون، عندها تبور البضاعة، وتنتهي العلاقة.

في المشهد السياسي المغربي، يعج الخطاب المتداول بكلمة “الإصلاح”، لمستوى بات قريبا من الابتذال، ولدرجة أنه لم يعد مادة كافية للتعبئة والإقناع، بسبب ما تعرض له في السنوات الأخيرة من استغلال مفرط، دون أن يظهر له أثر بالقدر المطلوب، وأصبح التمثل ينمو في اتجاه أنه مجرد علامة تجارية، تصلح لاستقطاب محدود، ولغاية معينة، تماما كما عجّت في وقت من الأوقات الشوارع والطرقات بمقاهي ومطاعم ومحلات جزارة وحلاقة وغيرها تحمل علامة “الجزيرة”، المميزة للقناة الإخبارية المعروفة.

وفي ما نعيشه، هناك تخوف من أن تصبح بيننا شخصيات وأحزاب تستعمل الإصلاح، الذي عرفه الناس مع شخصيات أخرى منحته “الجودة” والمصداقية بخطابها ومقاومتها، بالطريقة عينها التي استعمل بها جزارون وحلاقون وبائعو الأفرشة والملابس، علامة “الجزيرة”، ولأن لا يمكن لجزار على سبيل المثال أن يقدم الخدمة الإخبارية التي تقدمها “الجزيرة”، فإن مستعمل الإصلاح على غير طبيعته وحقيقته، لا يمكن أن يُرجى منه إصلاح، بل لا يمكن أن يُستأمن عليه!!.حمورو

شارك برأيك