«رائحة الأركان».. الحاج احماد: لم الديني بالسياسي! – اليوم 24
وهبي
  • عبداللطيف وهبي يكتب: أي اقتصاد وطني بعد كورونا؟ 3/2

  • عبداللطيف وهبي يكتب: حماقات «التقنوقراط»

  • عبد اللطيف وهبي يكتب: كورونا والجهوية

فسحة رمضان

«رائحة الأركان».. الحاج احماد: لم الديني بالسياسي!

جرت العادة أن يكتب الأدباء والمثقفون عن الأشخاص المرموقين، سياسيين ورياضيين، علماء ومثقفين، غير أنه في هذه التجربة نجد أن عبداللطيف وهبي، ابن بيئة سوس بعبق رائحة الأركان، اختار الكتابة على رموز بسيطة وسط الشعب وبخاصة وسط جهة سوس، لها ذلك الحضور الجميل في حياة الناس مقابل غياب كلي في الواجهة العامة التي تغري السياسيين، لما لهذه النماذج الإنسانية البسيطة من قدرة كبيرة على اختزال قيم إنسانية تتجاوز محورية حب الذات.

بمناسبة هذه الانتخابات، غالبا ما تجد (الحاج احماد) يتحرك في كل الواجهات والاتجاهات، يعرف من يؤثر في الأشخاص فيتصل بهم،  ويدرك بحدسه الأشخاص الذين يجب أن تعتمد عليهم في الانتخابات، فيدعو إلى اللقاء بي، وحينما نتحرك في الدائرة الانتخابية لنقصد مكاناً ما، يتصل بشخص يقطن هناك، لا يطلب منه، بل يدعوه إلى إعداد وجبة غداء أو عشاء لإكرام الحضور، يستجيب الشخص دون تردد، ويدعو أناساً آخرين إلى مشاركتي الضيافة، وذلك اللقاء.

يتحرك في هذا المدشر أو ذاك، يعرف الخلافات التي بين القبائل وينصح العائلات ويذكرها بأحكام القرآن الكريم والتاريخ المشترك، ما إن يبدأ حديثه بالدين حتى يعرج على السياسة، ثم يعود إلى الدين مرة أخرى، فهو يعتبر أن الأخلاق التي تربينا عليها مصدرها الدين الإسلامي وهي ملزمة لجميع المرشحين، يكلمهم بحقيقة وضعهم، لا يرد طلبا ولا يمنع سائلا، فممارسته (الحاج احماد) للسياسة تستند على الصدق والأخلاق والقيم الإنسانية الرائعة ويدعو الجميع إلى التضامن والتآزر والتعاون على فعل الخيرات، فهو لا يرى في السياسة مستنقعا، بل كل الخير، أو كما يقول: “ما قيمة السلطة إن لم تفعل بها الخير للناس”. (الحاج احماد) لا يقوم أبدا بحملة انتخابية من أجل نتيجة النجاح وضمان مقعد برلماني، فالنتيجة لا تهمه ولا ينزعج مطلقا لطبيعتها، يرى أن الواجب هو القيام بالحملة الانتخابية في حد ذاتها وحث الناس على المشاركة وتحسيسهم بالاهتمام بمصالح الوطن العليا وأهمية نعمة استقراره وخيراته الفلاحية. وأما النتيجة، فكما يقول: «شؤونها يرسمها الخالق»، وفي جميع الأحوال هي الخير الذي يريده الله لنا أكانت فوزا أو خسارة، ومهما كانت النتيجة، فهو يعتبرها خيرا من الله. المهم، كما يقول، هو نجاح الوطن في تنظيم الانتخابات والاستقرار.

كنت أقول له مبتسما أنت أول من يخلط التربية الوطنية بالتربية الإسلامية، يرى في الانتخابات فرصة اللقاء بالناس والحديث معهم. ثم إنه في كثير من الأحيان تجده يكلم هذا الشخص بكلام خافت، وهو ينصت باهتمام، وما أن ينهي المتحدث كلامه حتى يهاتف (الحاج احماد) هذا أو ذاك، ليبدأ في البحث عن حل وتقديم مساعدة في الموضوع. يستيقظ (الحاج احماد) عند آذان الفجر ولا ينام إلا ساعات بعد صلاة العشاء، لا يكل ولا يمل، يتحرك بسيارته في كل جهة سوس، بل في المغرب عموما، وقد يتصل بالشمال لدعم مرشح يعرفه هناك، كما يتصل بصديق له لدعم مرشح في مراكش أو في غيرها، وقد يوصي عائلة هناك في الشرق لدعم هذا المرشح، وبعائلة أخرى يعرفها هناك بالدار البيضاء لدعم ذاك.

(الحاج احماد) لا يخفي انتماءه السياسي، بل هو في حد ذاته حزب يمشي على قدميه، وطنيٌّ حتى النخاع، وهي المسألة التي لا يقبل فيها أي نقاش، بل يصبح فيها متشددا، ولا يتردد في القول: «إن الآخرين ينتصرون علينا عندما يكونون أحسن أخلاقا منا”.

نظرة (الحاج احماد) إلى النُّخب ودورها مختلفة، فهو ببساطته المعتادة يقلب معادلتك للأشياء. ففي رأيه من يحافظ على استقرار المغرب ليس هو من رفض المشاركة في الربيع العربي حين هب على المغرب، ولكنه الفلاح البسيط الذي يجتهد ويكد ويرسل منتجاته من الخضروات واللحوم إلى المواطن نحو أقرب سوق وبثمن بخس، إلى السواعد التي تنتج الخبز وتوفره بكثرة وبثمن زهيد، إلى من لايزال يحتفظ بضميره ويساهم في علاج البسطاء في المستشفيات العمومية، إلى من يتحمل قهر الطبيعة والجغرافيا ليعلّم بتفان أبناء وبنات الفقراء في الجبال والمداشر، وكل مسؤول يشتغل بضمير حي وتواضع مع البسطاء، هؤلاء هم ركائز استقرار الأوضاع في المغرب، وليس من يزايد على بلدنا بالربيع؛ يردد ذلك ويعلنُه أمام الجميع.

جاء من الدين إلى السياسة، ولكنه لم يفقد أخلاق الدين ولم تُنجّسه السياسة. صعب أن تكون لك قدرته في إدارة الموضوعين وبطريقة السهل الممتنع، يعرف كيف يجيب عن السياسة بالدين ولا يجعل هذا الأخير في خدمة السياسة، بل يعتبر الأخلاق الدينية والسياسية يسيران في نسق واحد، كان يقول: “لا يمكنك أن تنجح في السياسة إذا لم تحترم القواعد الأخلاقية التي يوفرها الدين”.

(الحاج احماد) يسهر على ختم كل اجتماع سواء أكان طويلا أو قصيرا، كبيرا أو صغيرا، بالدعاء للجميع. يسير في الطريق بحماسة، لكن لا يتنازل عن وقت الصلاة، فحين يحين وقتها يوقف كوكبة الحملة الانتخابية لأداء واجبه الديني، ولا يجد في ذلك أي حرج. يعتبر النتيجة الانتخابية قَدَراً من الله، وأن وراءها حكمة لا يعرفها إلا الله، لذلك ينام مرتاحا كيفما كانت النتائج، وقبل أن يودعك يحمل هاتفه القديم ومفتاح سيارته قائلا: «لا تحزن، لكن المهم هو أن الوطن آمِن وبخير، والحمد لله على نعمة الأمن والأمان»، كما كان يختم دائما كلامه.

شارك برأيك