“رائحة أركان”.. (الدالمزوار) في خدمة الناس -الحلقة18 – اليوم 24
وهبي
  • مغرب 2021 (4)

  • (مغرب 2021) «2»

  • مغرب 2021

فسحة رمضان

“رائحة أركان”.. (الدالمزوار) في خدمة الناس -الحلقة18

جرت العادة أن يكتب الأدباء والمثقفون عن الأشخاص المرموقين، سياسيين ورياضيين، علماء ومثقفين، غير أنه في هذه التجربة نجد أن عبداللطيف وهبي، ابن بيئة سوس بعبق رائحة الأركان، اختار الكتابة على رموز بسيطة وسط الشعب وبخاصة وسط جهة سوس، لها ذلك الحضور الجميل في حياة الناس مقابل غياب كلي في الواجهة العامة التي تغري السياسيين، لما لهذه النماذج الإنسانية البسيطة من قدرة كبيرة على اختزال قيم إنسانية تتجاوز محورية حب الذات.

 

 

تناولنا وجبة الغداء عند (الحاج أكرام)، وهو تاجر من مدينة الدار البيضاء المرتبط بقوة بقريته، حيث تأبى روحه أن تغادرها. وكعادته، فهو لا يستطيع أن يتأخر عن زيارة قريته التي ولد فيها لأكثر من شهر، والتي تتوسد قمة الجبال الأطلسية المطلة على تارودانت، وتُدعى هذه المنطقة (تيكوكة).

وأنت تغادر هذه القرية تمر بالقرب من نهر يكاد لا تنضب مياهه، هذه المنطقة خلابة المنظر تضم أراضي خصبة، تبدو من بعيد كلوحة فنية يغلب عليها الاخضرار، وتتناثر حولها بعض من أشجار النخيل، وعلى حافة الطريق يوجد نهر، تتجمع بالقرب من مياهه بعض النساء منهمكات في غسل الملابس، بينهن بعض الفتيات جد جميلات، يرفعن ملابسهن حتى لا تتبلل وهن يغسلن ثيابهم وبعض الأغطية، غير مكترثات بالمركبات التي تمر بجانبهن، تبدين وهن وسط النهر مثل عرائس البحر، بعضهن تنسدل شعورهن على جِباههن، وتزيد أشعة الشمس المنعكسة على الماء لتسطع على وجوههن، فيبدو بريق أعينهن أكثر إشراقا.  ومن بعيد على الهضبة، يجلس جمعٌ من الشباب يراقبون تلك الفتيات في حياء، متخفين وراء بعض الشجيرات، وكل منهم له من يميل إليها في صمت. يتبادلون النظرات، لكن لا أحد يجرؤ على الحديث إلى إحداهن، يكتفون بالتعبير عن تعلقهم بهن، لكن في صمت.

كان حفل الغداء في بيت (الحاج أكرام) بحضرة بعض أبناء القرية، وبعدها تقدم أكواب الشاي بالزعفران مع بعض الحبّات من اللوز حلو المذاق، وإنْ صادفت بعض الحبات مرّة الطعم، فقد تأكله بدون تعليق. كان الحديث بين الجميع لا يتوقف فقط، عند الانتخابات والسياسة، بل يتعداه إلى الخوض في قضايا وأمور أخرى. وفي خضم الحديث تذكرنا أسماء وأشخاصًا من هنا وهناك، من الماضي والحاضر، فإن كانوا لازالوا على قيد الحياة يُدْعى لهم بالصحة والعافية وطول العمر، وإن رحلوا إلى دار البقاء يُدعى لهم بالرحمة والمغفرة.

وفجأة انتقلنا إلى الحديث عن شخصية يتذكرها الجميع، متسائلين عن وضعية أبنائها وأحوالهم. في حياتي لم أر شخصية مثل (الدالمزوار)، هذا الشخص له أفضال كثيرة على كل أسرة في الجبل توجد في مسلك غير معبد تخترقه الحُفَر والمطبّات، إذ أسدى للجميع مجموعة من الخدمات وقدم معروفاً، أو كما كان يقول هو دائما: “كل ذلك يا بني لوجه لله”.

ظل (الدالمزوار) يشتغل لعقود سائقا للحافلة الوحيدة التي كانت تربط بين تارودانت المدينة والجبل، فكل العائلات تعرف من يكون (الدالمزوار)، شخص أسمر اللون مكتنز البدن، متوسط القامة، يلبس باستمرار جلباباً أو قميصاً طويلاً إلى الكعبين، يضع في فمه غليوناً من النوع القديم، لا يفارق فمه، مدخنا تبغا رخيص الثمن. ظلت سياقة الحافلة مهنته لمدة تزيد عن أربعين سنة، فالحافلة قديمة مثل عمره، كانت من نوع (فولفو)، تنفرد في المدينة بشكلها القديم، محركها يوجد في المقدمة، وكان الكل يلاحظ بنوع من الاستغراب ذلك الانسجام الكبير بين هذه الحافلة العتيقة وسائقها (الدالمزوار).

في الحقيقة كان اسمه (المزوار)، ولكن الناس لشدة احترامهم له أضافوا إلى اسمه حرف «الدال»، وهو الاختزال لكلمة «دادا»، وتعني الأخ الأكبر، أو حتى معنى السيد الذي يتسيّد من شدة الاحترام.

كان (الدالمزوار) أمازيغيا، غير أن استقراره في تارودانت المدينة مكنه من إتقان العربية الدارجة، كذلك، يملك بيتين بحي الملاح بتارودانت الذي كان يسكنه عدد من الغاربة اليهود قبل رحيلهم من المغرب في أواسط ستينيات القرن الماضي (ق.20) بعدما باعوا عقاراتهم بأثمان زهيدة. (الدالمزوار) اشترى المنزلين من مهاجر يهودي بمبلغ 4000 درهم أدى المبلغ عنه والدي مقابل اقتطاع بسيط كل شهر من أجرته حتى أدى جزءاً كبيراً وتنازل والدي عن باقي المبلغ، كنت أداعبه وأقول له: «حصلتَ على ديْن بدون فوائد»! اكترى منزلا وأقام في البيت الثاني المكون من طابقين، منزل شاسع يعبر عن التراث المعماري اليهودي، حافظ عليه (الدالمزوار) دون أن يجد في ذلك أي خلاف مع انتمائه الديني كمسلم.

(الدالمزوار) طينة فريدة من الرجال، يعتبر العمل عبادة، ولذا يستيقظ يوميا في الثالثة صباحا وينام بشكل منتظم في الساعة العاشرة ليلا. تتوسط نهاره قيلولة في حدود ساعة يوميا. (فالدالمزوار) يشتغل لمدة الأسبوع كله، يعتبر العطلة مجرد مضيعة للوقت وهدر للزمن ويقوم بمهمته كسائق بشكل جدي، من خلالها يفك الحصار والعزلة عن المناطق الجبلية المحيطة بتارودانت طيلة أيام الأسبوع.

ففي الجنوب مثل باقي تراب المغرب تسمى الأسواق بيومها الأسبوعي الذي تنعقد فيه مقرونة باسم القرية أو الجماعة التي تحتضن فضاء السوق، فكان يوم الاثنين ينقل المسافرين نحو السوق الأسبوعية (اثنين إذا وكيلان)، ويوم الثلاثاء يقصد سوق (ثلاثاء أولوز)، وخلال يومي الأربعاء والخميس ينقل المواطنين نحو جماعة (حد إيمولاس)، أما يوم الجمعة فيقوم بنقل المسافرين إلى (تملوكت) مرتين في اليوم لكونها تقع في سفح الجبل وبالقرب من مدينة تارودانت، ويوم السبت يقصد سوق (سبت ركيتة)، ويوم الأحد يتسوق سوق (حد إيمولاس).

كانت هذه الأسواق مجالا مناسبا ووحيدا لبيع المنتجات الفلاحية وشرائها بنوع من المقايضة المقْنِعة بواسطة نقود قليلة، وكانت كذلك فرصة للقاء وتبادل الأخبار وخلق الشراكات وتبادل المنتجات وقضاء الحاجات الإدارية، فحتى بعض المصالح الخارجية للإدارات كانت تشتغل يوم السوق ولو صادف ذلك يوم عطلة، فـ«القايد» كان يشتغل بشكل عادي داخل القيادة يوم الأحد رغم أنه يوم عطلة، فمصادفة السوق لذلك اليوم يفرض على القائد الحضور لقضاء حوائج الناس، والعملية نفسها بالنسبة إلى رئيس الجماعة، وأما الدرك فموجود باستمرار.

إن للسوق مكانة اقتصادية واجتماعية مهمة جدا في حياة الناس، هنا في الجبل، هذه السوق التي تُقام دائما بساحة كبيرة وسط القرية، تعرف اصطفاف خيام عدة تركن وراءها سيارات كبيرة الحجم لنقل البضائع، وبداخلها سلع متنوعة. ونظرا إلى تحرك الناس والدواب والمركبات كان الغبار يتطاير في كل مكان ليستقر على وجوه الناس ورؤوسهم، فالسلع المعروضة للبيع تملأ المكان في غمرة ضجيج وصراخ الباعة الذين ينادون الناس لشراء بضائعهم.

شارك برأيك