قضية بوعشرين… من أجل العودة إلى الهدوء والاعتدال – اليوم 24

قضية بوعشرين… من أجل العودة إلى الهدوء والاعتدال

  • في عبقرية التفاوض

  • جنازة تحالف

لست أدري لماذا أميل في هذه القضية إلى رأي آخر، يختلف عن المقاربة التي اعتمدتها السلطة في الانتقام من رأي صحافي مقتدر، ويختلف، أيضا، عن المقاربة التي يُدار بها الدفاع عنه.

كنت أتابع المرافعات، وأرى فيها من جانب “أعوان تنفيذ” لا يفهمون من الملف سوى أن يكونوا وقودا لإحراق صحافي وعائلته والإضرار بصحة أطفاله النفسية، وأرى من جانب آخر الحجج القوية التي تفسدها أحيانا المزايدة، والخروج عن حدود المهنة وتقاليدها العريقة.

تابعتُ كلمة الصحافي توفيق بوعشرين، وهو يدافع عن نفسه، فوجدتها أرقى بكثير من مرافعات بهلوانية أضرت به، من حيث كان المفروض أن تسنده وتفسد أوراق خصومه، وتابعت أخطاء قانونية ومسطرية ارتكبتها الجهات المعنية، وكانت سببا في جلب سخرية العالم ضد هذا البلد الذي يتردد في مساره نحو الديمقراطية.

لطالما سمعت وجهات نظر أخرى، ترى ألا سبيل لكسب خروج هذا الصحافي المقتدر من محنته، سوى برفع السقف عاليا، ووضع الدولة أمام مسؤوليتها الحقوقية، وأنه لا بد من استعمال كل الأوراق، بما في ذلك التوجه إلى الأمم المتحدة، وتحريك المجتمع الحقوقي الدولي ضد انتهاك السلطات لحرية الصحافة، ورغبتها في تكميم قلم صحفي مزعج.

أَنظر إلى الذين استُخدِموا للمرافعة ضد من سُميّن بـ”الضحايا”، وأُنقّب في مسارهم، وأُدرك أن الورطة كبيرة، وأن وراء الحاجة إلى هؤلاء، ضعف شديد في الموقف، وسوء تقدير، فضلا عن تحرك من دافع التوتر، لا من دافع الحكمة وبعد النظر.

أتأمل كل ذلك، ومعه، مساع للاتصال بالديوان الملكي تبوء بالفشل. لا أريد الدخول في التفاصيل، لكن ما يهمني في هذا الرأي الذي أبوح به لأول مرة، أن الأمر انتهى في الأخير إلى الورطة، ورطة الجميع: السلطة، والمدافعون عن حرية الصديق توفيق بوعشرين.

نعم، هي ورطة، لأن الحكم على صحافي، صاحب رأي قوي ومؤثر، بملابسات عليها علامات استفهام كثيرة، لا يمكن أن يمر دون أن يلطخ سمعة المغرب الحقوقية، ويُسَود صفحات السلطة في تعاملها مع الصحافة. وهي ورطة من جهة مقابلة، فماذا ستربح عائلة صديقنا توفيق بوعشرين بالتصعيد واستعمال الرصاص الحقوقي العابر للقارات؟ بل ماذا ستستفيد إن لم يكن البديل هو تبني مقاربة قانونية مهنية بخطاب أخلاقي لا يُستفَز، ولا ينجر لمسايرة خطاب “أعوان التنفيذ” الوطِيء.

ستجد السلطة حجتها في التصعيد، بالقول إنهم لم يتركوا لنا بعد الذهاب إلى الأمم المتحدة أي مساحة للنظر والمراجعة، وسيقول المترافعون عن توفيق بوعشرين: وماذا تركت لنا السلطة بعدما وظفت “أعوان تنفيذ” معروفين بماضيهم السيئ وضعفهم المهني، وتم الإجهاز على القانون والمساطر، بل تم التشهير والمس بعرض وسمعة موكلهم، وتم الحكم عليه بعد ذلك بحكم قاس ثمنا لقوة قلمه.

لا أريد أن أسمع هذه الحجج، لا من هؤلاء ولا من أولئك، فقط ما أنا مقتنع به الآن، أن ثمة حاجة إلى طرف ثالث، أو لمقاربة ثالثة، تتجاوز هذه الورطة التي تسبب فيها سوء التقدير، أو، ربما، الرغبة في الانتقام، وزكتها مقاربة تصعيدية من الطرفين، انتهت إلى الإضرار بالصحافي المقتدر، وبعائلته من الدم وعائلته الصحافية.

ما يهمني الآن ويعنيني، هو طرف ثالث، يتحرك من وحي مقاربة أخرى، تعيد الهدوء للملف، وتزكي نزعة الاعتدال، وتقنع بأنه ليس من مصلحة المغرب أن تستمر لغة الشد والجدب بين السلطة والصحافة، وأن تطويع أصحاب الرأي لن يكون في خدمة بلد يواجه تحديات كبيرة لا يستطيع أصحاب الأقلام المأجورة والمأمورة أن يتحملوها مع الدولة.

توفيق بوعشرين صحافي كبير، ومدافع عن مصالح بلده، وليس له أي مشكل مع الملكية، ولا مع الثوابت، قلمه قوي، وربما، قاس، ولكنه ضروري ومفيد.

طرف ثالث، أو مقاربة أخرى، تضع ضمن جدول أولوياتها عودة الهدوء والاعتدال للملف، ودعوة الطرفين إلى تعديل الأسلوب، وتغيير نمط المحاكمة جذريا، وتحكيم الاعتبار القانوني والمهني دون سواه، والتخلص من المزايدة، وإبقاء القضية داخل السقف الوطني.

ما يهمني بهذا الرأي، الذي لا شك أنه سيغضب البعض، أو سيغضب الكثير، هو مصلحة هذا الصحافي الكبير، وعودته الوشيكة إلى افتتاحيته التي ينتظرها الجميع، وعودته، أيضا، إلى عائلته وزوجته وأطفاله، ولِمَ لا تكون المصالحة معه مبدأ  صالحة مع الصحافيين الذين أصبحوا بفعل لغة العناد وسوء الفهم، معارضين من غير اختيار.

 

 

شارك برأيك