«رائحة الأركان».. (الدالمزوار) في خدمة الناس -الحلقة20 – اليوم 24
وهبي
  • مغرب 2021 (4)

  • (مغرب 2021) «2»

  • مغرب 2021

فسحة رمضان

«رائحة الأركان».. (الدالمزوار) في خدمة الناس -الحلقة20

جرت العادة أن يكتب الأدباء والمثقفون عن الأشخاص المرموقين، سياسيين ورياضيين، علماء ومثقفين، غير أنه في هذه التجربة نجد أن عبداللطيف وهبي، ابن بيئة سوس بعبق رائحة الأركان، اختار الكتابة على رموز بسيطة وسط الشعب وبخاصة وسط جهة سوس، لها ذلك الحضور الجميل في حياة الناس مقابل غياب كلي في الواجهة العامة التي تغري السياسيين، لما لهذه النماذج الإنسانية البسيطة من قدرة كبيرة على اختزال قيم إنسانية تتجاوز محورية حب الذات.

(الدالمزوار) يعرف الغالبية من أهل القرى المحيطة بالسوق، وينسج معهم علاقات اجتماعية وطيدة، وكلهم كان يحمل رسائلهم البريدية إلى الأحبة والأقرباء داخل المغرب وخارجه قبل ثورة الهواتف المحمولة، ذلك أنه بعد عودته مساء إلى المدينة، يشتري لها طوابع البريد ويلصقها عليها قبل أن يضعها في صندوق البريد بمدينة تارودانت، وعندما تعود الأجوبة من الخارج لأهل الجبل، تتجه مباشرة إلى عنوان منزل (الدالمزوار) بحي الملاح في تارودانت، ويكتب على ظهر الظرف البريدي بالخط البارز اسم (الدالمزوار) وعنوانه، وفي أسفل الظرف تُكتب ملاحظة تُسلم الرسالة إلى فلان ابن فلان، وطبعا، لم يكن (الدالمزوار) يفتحها، بل كان يسلمها مباشرة إلى أصحابها.

وحتى المبالغ المالية والتحويلات التي تحول من أفراد الجالية بالخارج إلى أهاليهم بالجبل تُرسل باسم (الدالمزوار)، الذي يقوم بتسليمها إلى عائلة المرسل إليه بالجبل. كما ظل (الدالمزوار) يخدم حتى الإدارة العمومية، ليس المواطنين فقط من ساكنة الجبل، فحتى «القايد» بقيادته في الجبل كان يسلمه الوثائق الرسمية في ظرف مختوم ليبلغها لمقر العمالة بمدينة تارودانت، والشيء نفسه بالنسبة إلى الدرك الملكي. وعندما يقوم طبيب القرية بتسليم الوصفة الطبية، تسلمها عائلة المريض مع بعض النقود إلى (الدالمزوار) ليشتري الدواء بصيدلية تارودانت ويحمله معه في اليوم الموالي إلى عائلة المريض. وفي بعض الأحيان يتصل العمال المهاجرون بالخارج على رقم الهاتف الثابت الموجود بمرآب الحافلة بتارودانت كي يبلغوا الرجل خبرا، عليه أن ينقله شفويا إلى عائلاتهم بالجبل في اليوم الموالي.

وعندما تقرر إحدى العائلات بعث أحد أبنائها أو بناتها للدراسة في تارودانت كان الطفل يسلم لـ(الدالمزوار)، الذي يصطحبه إلى بيته إلى أن يسجله بمدرسته أو إدخاله إلى الداخلية سواء الإعدادية أو الثانوية ويبقى صلة وصل بين التلميذ في تارودانت وعائلته في الجبل، حتى أني رأيت أزواجا يطلبون منه مساعدة زوجاتهم ومرافقتهن في اتجاه بيت الأصهار بتارودانت المدينة. وما كان من (الدالمزوار) إلا أن يتكفل بمصاحبتهن وعيناه ونظراته لا ترتفع عن الأرض.

ما أن يعود (الدالمزوار) مساء إلى مدينة تارودانت نازلا من الجبل والقرى والمداشر، حتى يركب دراجته العادية ليتنقل بها بين أزقة تارودانت بحثا عن صيدلية أو مكتب البريد، أو منزل هذا التاجر أو ذاك، ليقضي أغراض الناس وحوائجهم أو يبلغ الأمانات إلى أهلها.

كنت أمزح معه قائلا له: «إنك حكومة تسير على قدمين». وفعلا هو مكلف بالصحة والتعليم والمهاجرين والبريد ومختلف الشؤون الاجتماعية. لم يكن (الدالمزوار) يطلب تعويضا مقابل كل ما يقوم به، وفي الوقت نفسه لا يرفض هدية من أحد قضى له حاجة. وحينما يتوصل بهدية نقدية كان يضعها في جيبه دون النظر إليها لكي لا يحرج صاحبها. وخلال المناسبات الدينية يتلقى (الدالمزوار) بعض الهدايا من أهل الجبل، فمثلا يتلقى الأكباش من الأسر هدية بمناسبة عيد الأضحى، وفي عيد المولد النبوي أو عيد الفطر يتلقى هدايا عبارة عن البيض البلدي والعسل وزيت الأركان، وفي الأيام العادية كان يتلقى خضراوات وفواكه اموسمية اعترافا من الناس بدوره الكبير وأمانته، وإذا ألمت به وعكة صحية وتوقف عن العمل كأن مصيبة حلت بأهل القرى والمداشر جميعا، لأن مختلف الخدمات الاجتماعية تتوقف، أو لنقل كان الخيط الذي يربطهم بالمدينة ينقطع.

كان (الدالمزوار) دائما مدعواً إلى أفراح أهل الجبل وأتراحهم، يهنئ هذا، ويعزي ذاك ويواسي الآخر، يسأل عن أحوال هذا الشخص وعن أخبار عائلته، بل حتى عن النتيجة الدراسية لابن هذا وذاك، يعيش معهم ويقتحم حياتهم وهم لا يرون في ذلك عيبا، فهو منهم ييسر عليهم مشاق الحياة ويسهل لهم العلاقة مع متطلبات التمدن. كان فعلا حكومة تسير على قدميها!

وحينما يحضر حفلا أو مأتما يمنح لـ(الدالمزوار) أفضل مكان للجلوس، فالكل يتعلق به، يرحب به، والكل يجله ويعانقه، كما يقدره الجميع، فالرجل بلا نزوع إلى الطمع، بل أمين وكاتم أسرار الناس، كثير الضحك والمزاح، لا ينخرط في الحديث في أعراض الناس، كاتم لأسرارهم، ومحافظ على أعراضهم.

أما الحافلة التي كان يقودها فكانت هي كل وجوده، حينما يلحقها عطب يشعر (الدالمزوار) أن حياته ستتوقف، فهو الوحيد الذي يعرف عطبها ومصدر الخلل فيها، وغالبا هو من يصلحه بنفسه، رافضا أن يصلحها أي ميكانيكي آخر غيره؛ الحافلة حقا هي عزته وكبرياؤه.

(الدالمزوار) شخصية خدومة ومحبوبة من الجميع، يظل مبتسما في كل الأعياد كما في باقي الأيام، يظل خدوما خارج أنشطة الحافلة، يساعد الآخرين أيام العيد الكبير على سلخ الأضاحي، يصلح مجاري المياه في حالة حصلت فيضانات. كان (الدالمزوار) يملك من القدرة على استيعاب هموم الناس ومشاكلهم، مما لا يوجد لدى غيره، يخدم الجميع ويحبه الجميع. رحم الله شخصية سبقت زمانها وخدمت الجميع، عاشت على غرار هدير الحافلة ورحلت في صمت.

شارك برأيك

محمد مسلي

نعم كلما قيل في هدا الرجل صحيح أنه رجل مثالي ولقد سافرت مرارا معه وطيبوبته لا تميل لها رحم الله هده الروح وأسكنها جنته

إضافة رد