المُتَحَوِّلون تحت الطلب – اليوم 24

المُتَحَوِّلون تحت الطلب

  • لا أحِبُّك يا بنكيران

  • كل في هَمِّهِ سارح

إذا قررتَ فجأة العيش بلا ضمير، ستُفتح أمامك ألف كاميرا لتتصدر المشهد ممثلا، وكأنك «مناضل» صاحب قضية.

صدقني، فقط عندما تختار أن تبيع إنسانيتك، يمكنك أن تصبح شخصا مهما عند «الكبار» بسرعة مدهشة.

نعم، من السهل عليك أن تصبح «بطلا»، مادمت «محاميا» متحولا تحت الطلب، ومستعدا أن ترمي بذلة مهنة المحاماة الشريفة بمجرد أن يُطلب منك ذلك، لتتحول إما إلى «بلطجي» ينسف ندوات حقوقية منظمة في باريس أو في الرباط، تناقش تطورات قضية صحافي شهير معتقل. أو أن تصير «إكشوانا» جديدا لا يهمه أن يختار عباراته المضحكة قبل التفوه بها، ولا يبالي بغرابة أن يطالب بإعدام ناصر الزفزافي قائد «حراك الريف» أو الدكتور عبدالعلي حامي الدين المستهدف بسبب مواقفه، وباعتباره عنصرا مؤثرا وفاعلا في مستقبل حزب العدالة والتنمية، بالقدر الذي لا تعي فيه خطورة أن تتهم حزبا يرأس الحكومة ويتمتع بثقة جلالة الملك بـ»الإرهاب»، وفداحة أن تستفز بـ»ترهاتك» وعي شعب قادر على تمييز الخبل من القول السديد، وتحليل سياقات الأحداث وخلفيات المتابعات القضائية التي تفوح منها رائحة السياسة.

أيها المسموح له بارتداء بذلة المحاماة للأسف!

سأخبرك – على الرغم من أنني أشك في مدى صحتك النفسية- كيف يمكنك معرفة أن وطنا ما قد أصبح في القاع؟! فالأمر لا يحتاج إلى ذكاء كبير، فقط أحسب كم يملك هذا الوطن من أشباه أبطال ونجوم. أنت تعلم أن هناك مئات «الأبطال» والنجوم في قنوات الأخبار والمواقع الإلكترونية. وتعلم أنهم منتشرون في كل مجال، يحدثونك بنفاق عن الوطن الغالي والحرية والقانون والفن والسلام، ويسترزقون من مدح السلطة ومهاجمة مُزعجيها، لكن البلاد التي يكثر فيها الأبطال المزيفون يصيبها المرض؟ لأن الشخصيات التي لم تنمو بشكل طبيعي، تلك المصنوعة بعناية، والمفتوحة في وجوهها الكثير من واجهات المنابر الإعلامية، لا مهمة لها سوى الحفاظ على الفساد من الكساد، ومعاداة الديمقراطية وحقوق العباد.

إن البلاد التي أرهقها «التخرميز» بتعبير الأستاذ مولاي إسماعيل العلوي، لن ينقذها «أبطال كارتونيون» ونجوم مزيفون.. لن يخدمها غير الإنسان المبدئي ذي الضمير الحي. اقرأ واسأل كيف وعلى يد من تخلصت الأوطان من الأزمات؟ بالمبدئيين فقط يمكن لوطن أن ينفذ بجلده من الظلم والخوف والضعف والزيف، وليس بمن يرتضي لنفسه أن يصبح أداة هجوم تصفى بها حسابات أكبر منه.

أيها المحامي المتحول تحت الطلب!

قد يكون من السهل عليك أن تحقق الآن مكاسب مادية، وتتقلد مناصب كانت ذات يوم تراودك في حلمك فقط، وتنفذ بجلدك من البرد والجوع والحاجة وقلة المال، ما دمت «مُطبلا» وبلا ضمير ولا قيم. لكن من الصعب عليك جدا أن تظل إنسانا، وأن تعيش بين الناس محترما، وتظل في عيونهم كبيرا…

هل تعلم أن أبي كان يُعالجني وأنا صغير بالكمادات المبللة بالماء، وأمي تملأ بطني – رغماً عني- بالشوربة؟! صحيح أن بطني كثيرا ما مرت منها عجينة «الشوربة»، لكنها ليست كالعجينة التي في بطنك الآن للأسف. لهذا أنا كبرتُ عكسك بمناعة جيدة، ولهذا تجدني أكتب بثقة وضمير مرتاح.

ورغم ذلك، أكره أن أغتر بنفسي، كي لا أسقط في وحل التطبيل، ولكيلا أصدق بأنني بطل مغوار. لذلك أحيانا أغيبُ لكي لا يستخدمني «الأوغاد» بلا قصدٍ مني في لحظة ضعف أو وهن لخدمة مصالحهم الخالية من القيم.

اعذرنِي إن لم أكن دبلوماسيا معك، «ماشي لخاطري»، مادام في داخلي طفلٌ يقول لمن لا يحبهم: «لا أحبكم»، بلا خوف ولا حسابات.

صدقني.. أنا أكره من يتاجر بقضايا الناس، وأحتقر الجبناء الذين يبيعون ماء وجوههم، ثم تجدهم بعد سنوات.. بعدما ينجلي الليل، وتنكسر قيود المراد اليوم قتلهم رمزيا، بعدما يتم الاستغناء عنهم، يبكون، ويشتكون للناس – كـ»مومس» شاخت- ضعف الحال وقلة الطلب.

قُل لي أنت! هل تتخيل مستقبلك وأنت تشكو للناس ضعف الحال وانعدام الاحترام والطلب؟!

شارك برأيك