في انتظار التسويات الكبرى… – اليوم 24

في انتظار التسويات الكبرى…

  • التعديل الحكومي… ليس بالإمكان أحسن مما كان!

  • مخاطر الإفلاس السياسي!

أحكام العفو الأخيرة التي طوت ملف معتقلي جرادة، وبعضا من ملفات معتقلي الريف، تعتبر خطوة في الطريق الصحيح، ربما، جاءت متأخرة على نحو ما، وربما، طبعها التردد أكثر مما ينبغي، لكنها مع ذلك تعتبر يدا ممدودة في الاتجاه الصحيح، ولو أن عنوان المصالحة المنشودة يتمثل بداية في إطلاق سراح قادة الحراك وعلى رأسهم ناصر الزفزافي، وفي العمق الحاجة إلى مصالحة صادقة وعميقة مع الريف، الإنسان قبل المجال. وما لم يتحقق ذلك، فإن المقاربات الأمنية والقانونية والقضائية وحتى التنموية، لا يمكن أن تعالج آثارها السلبية، فقط بالعفو، بل ربما قد يكون استعصاء العفو عن القيادات في هذه المرحلة، يرتبط بغياب الحلول للأسباب التي كانت وراء الأحداث، وتلك الأسباب ليست وليدة اليوم، بل هي تراكم لعقود من العزلة والتهميش، وهو ما حوّل الريف إلى شبه جزيرة معزولة عن السياسات العمومية وبرامج التنمية ومخططاتها على مدى سنوات، ومجالا كذلك للعقاب الجماعي. لكن مع ذلك لا يجب أن تتحول تعقيدات الواقع إلى ذريعة للامتناع عن خوض الخطوة الشجاعة التي ينتظرها الجميع، فالدولة ليست هي الأفراد، إذ لا تقاس هيبتها، بتصلب هنا أو عناد هناك، بل هيبتها تقاس، أساسا، بقدرتها على اتخاذ القرارات الصعبة، والتي بدونها لا يمكن بناء المستقبل.

المغرب بحاجة اليوم إلى مناخ جديد ومختلف، يمكن أن يشكل غطاء للمصالحات الكبرى التي طال أمد انتظارها، مصالحة سياسية، حقوقية، اقتصادية واجتماعية، مصالحة تعيد الاعتبار للفكرة الديمقراطية ونبلها، ولنضالات عقود وتضحيات أجيال مختلفة من تيارات إيديولوجية متنوعة. الحاجة اليوم إلى الاقتناع بأننا بلد لا يمكن أن ينجو من الفوضى غير الخلاقة التي انتعشت مجددا في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، سوى ببناء ديمقراطية حقيقية، وقيام عدالة اجتماعية تعيد الثقة في الناس، وتنعش الرأسمال الاجتماعي الذي يكاد يكون قد «قضى نحبه» بسبب سنوات طويلة من اللامعنى ومن التردد الذي عزز الشك، حيث كان يجب أن يستقر اليقين، فقد انصرف الناس عن الحلم الجماعي لهم كأمة وكوطن، إلى مجرد أحلام فردية ومشاريع للنجاة لا تتجاوز عدد أفراد الأسرة، إنه الهروب الجماعي من حلم عنيد تحول إلى كابوس في كثير من مراحل تاريخ الوطن، هذا الكابوس لازالت كثير من مظاهره جاثمة على بلادنا، تارة في شكل ريع مستفز لم يترك مجالا اقتصاديا إلا نهشه، ومرات أخرى في شكل مركب سلطوي مالي فاسد، يشتغل بمنطق الدولة داخل الدولة، كما لم يعد للمؤسسات وبنيات الوساطة حتى ذلك الدور الشكلي الذي اكتسبته بعد سنوات الاستقلال الأولى، أما مصداقيتها، فهذا أمر لم يعد موضوع نقاش، فهل بمثل هذه المؤسسات والوسطاء، يمكن تحقيق مصالحات كبرى حقيقة؟ ليس فقط، الوطن بحاجة إليها، بل هي طوق نجاته الحقيقي والوحيد، كيف يمكن الحديث عن مصالحات كبرى سواء المادية أو المعنوية وهناك صحافيون في السجون؟ كيف يمكن تحقيق مصالحات بآثار حقيقية على الحاضر والمستقبل، ونحن لانزال نراهن على منطق الحزب الأغلبي وما يقتضيه ذلك من شكلية الانتخابات، وبالنتيجة شكلية وصورية المؤسسات التي تفرزها؟ كيف يمكن تحقيق مصالحات عميقة، بينما يتم تفكيك الدولة عبر تفكيك القطاع العام في سياق اقتصادي مأزوم يقوده المحاسبون والمضاربون ورؤوس الأموال وخبراء المؤسسات المالية الدولية ومكاتب الدراسات، بينما المعنى الحقيقي لاقتصاد آخر لم يتم التفكير فيه وبه؟ إنها جملة من الأسئلة تتردد بحرقة هنا وهناك، جهرا وهمسا، لكنها في جهرها وهمسها، تكشف عن حالة جماعية، بقدر ما تُنْعِشُ فيها الأمل أبسط مبادرة وأصغرها، بقدر ما يسكنها الخوف من تكرار السيناريوهات عينها التي عفا عنها الزمن وما عادت لا الأجيال الحالية ولا السابقة، قادرة على التعايش معها.

المغرب بحاجة إلى طي صفحة الماضي البعيد والقريب بكل الشجاعة والوطنية اللازمتين، وبحاجة إلى الاعتراف من طرف الجميع بالأخطاء التي اقترفت على مدى عقود، بهذه الكيفية يمكن أن نفتح مسارات جديدة، قد تؤدي بناء إلى لحظة نستعيد فيها زمن المصالحات الكبرى، كما حدث في تاريخ العديد من الشعوب والأمم.. هل نستطيع فعل ذلك؟ نعم، نستطيع.

شارك برأيك

ayyad

كلام معقول نتمنى أن يجد آذانا صاغية.

إضافة رد