البام والمعضلات الأربع – اليوم 24

البام والمعضلات الأربع

  • في عبقرية التفاوض

  • جنازة تحالف

تساورني أسئلة كثيرة بصدد سبب فشل تجربة «البام»، فأتابع الخطاب للتيارين المتصارعين، وأتوقف في خضم هذا الصراع عند الرسائل المبعوثة لكل الأطراف، للسلطة والأحزاب ومراكز القوى داخل الدولة.

المعادلة التي كانت سائدة في تجربة القوى الديمقراطية أن للانفتاح على الأعيان مكاسب وكلفة، مكاسبها توسيع دائرة المقاعد والأصوات، ورفع درجة الطموح لرئاسة الحكومة، وكلفتها فقدان القدرة على التحكم في القرار الحزبي، وحرف الخط الإصلاحي عن سكته.

«البام» لم ينشغل بهذه المعادلة، وإنما طرحت لديه مشكلة أخرى، فالأعيان الذين يؤتى بهم لهذا الحزب، مع الوزن الانتخابي الذي يمكن أن يحققوه، لا توجد آلية لتدبير تناقضات مصالحهم، سوى الآلية السلطوية، التي رغم قسوتها ونجاعتها الظرفية، إلا أنها تبقى محدودة في الزمن، وأيضا في الديمومة.

التركيب السوسيولوجي الذي كان البام يُبنى على أساسه، أن يتم توظيف نخبتين وازنتين، نخبة الإيديولوجيا، ونخبة المال، مع الحاضنة السلطوية الداعمة.

يومها لم ينتبه أحد لأربع معضلات، أولاها، أن النخب الإيديولوجية لن تبقى دائما، كذلك، وأنها قد تتحول بفعل التصدر القيادي إلى ظاهرة «أعيان جدد» يزاحمون نخبة الأعيان التي نشأت بهذه الطبيعة أو جيء بها للحزب بهذه الطبيعة، وثانيها، أن واقع الندرة في المواقع والمناصب، يجعل من الصعوبة تدبير تناقضات الأعيان، وثالثها، أن مركز النفوذ القيادي حين يرتبط بطابع إثني، أو سلطوي، يصبح هو الآخر، منقطة للاصطفاف والامتياز والريع، ورابعها، أن موقع السلطة الحاضن لهذا الحزب، ليس خيارا ثابتا يمتلك عناصر الديمومة.

تتابع تصريحات عبداللطيف وهبي، يتهم إلياس العماري بالوقوف وراء بنشماش وتوجيه القرارات ممن الخلف، وترصد موقف فاطمة المنصوري الرافض للجلوس مع المحرشي على طاولة واحدة، وتقرأ خطابات الطرفين، على تناقضهما، فترى أن الذي يجمعهما هو محاولة الإيهام بأن استمرار السلطة في موقعها الحاضن متوقف على إصلاح الحزب، ولذلك يزعم كل طرف أنه يمثل الصيغة الإصلاحية التي تضمن عودة ثقة الدولة في الحزب كحامل لرهانها السياسي.

خطابات تلخص في جوهرها المعضلات الأربع، التي لا يمكن فكها كاملة ضمن صيغة إصلاحية، حتى ولو ادعى الطرفان قدرتهما على ذلك، فلا يستطيع اليوم أحد أن يعيد النخب الإيديولوجية إلى طبيعتها وهي التي تحولت إلى ظاهرة «أعيان جدد»، صنعهم القرب من السلطة، ولا أحد يستطيع أن يمنع الأعيان غداة المحطة الانتخابية من الرحيل خاصة منهم الذين لم يجدوا ما كانوا يؤملونه من توسيع قاعدة مصالحهم بوجودهم في حزب قريب من السلطة، ولا يمكن تصور مصالحة بين النخب الإيديولوجية، وقد عمّقت التسلقات الطبقية والانتهازية خلافاتهم، وانضاف إليها البعد الاثني، ولا أحد يستطيع اليوم أن  يضمن للقاعدة أنه بمجرد انتخابه، سيكون بإمكانه أن يعيد الحضن الدافئ للسلطة لهذا الحزب. سهيلة التريكي، الإعلامية المقربة جدا للقيادة، اختارت مغادرة سفينة البام، وهي تدرك أن حل هذه المعضلات الأربع غير ممكن، فالأعيان سيرحلون، أو على الأقل سيرحل جزء مهم منهم للالتحاق بأحزاب أخرى يجدون فيها الأمن والمصالح، والمناضلون الذين ليس لهم نفسٌ طويل في مسايرة التطاحنات سيرحلون، أيضا، كما رحلت التريكي، والحرب ستأخذ كل الأبعاد، سياسية وطبقية والمصلحية وإثنية أيضا، والسلطة في مثل هذه الظروف تحركها الحكمة التي تعتبر أن اللعب دائما يكون مع الأقوى.

«نداء المستقبل»، يحشد أدلة إقناع كثيرة، قاعدتها أن المشكلة ليست في «البام»، ولكن في قيادته وخطها وخطابها السياسي وتدبيرها التنظيمي، ورسالتها أن رهان السلطة على البام لا يزال مستمرا، وأن شرط ذلك، إصلاح «البام» من الداخل، بتغيير قيادته، وخطها السياسي، وتدبيرها التنظيمي، بل وحتى شكل علاقتها بالسلطة والفاعلين السياسيين، بما في ذلك العدالة والتنمية، وحلمها الواقعي، تحالف مع «المصباح»، يحقق الرهان الذي فشل إلياس العماري في تحقيقه

وخيارات بنشماش، تطهيرية، ترى أن «البام» لا مشكلة فيه سوى هؤلاء الخارجين عن الشرعية، وأنهم كانوا السبب الرئيس في تفكيك الحزب وإضعاف جاهزيته لتحقيق الرهان السلطوي.

السيناريوهات محدودة، ففي الحالتين معا، انتصار القيادة الحالية أو انتصار نداء المستقبل، والثمن هو رحيل جزء مهم من البنية السوسيولوجية لهذا الحزب، وفقدانه مبررات وجوده، أي سيكون الأفق المنطقي والمعقول هو أن يتجه الحزب إلى حل نفسه تماما كما استشرف بنكيران ذات يوم.

شارك برأيك