روبورتاج- مشاهد من القاهرة.. سائقون يعيشون جنتهم الخاصة وسط الجحيم – اليوم 24
Capture d’écran 2019-07-09 à 12.08.24
  • Screenshot_20200130-223954_WhatsApp

    “كان” العيون.. “أسود” الفوتصال يسحقون غينيا الاستوائية بثمانية ويتأهلون للمربع الذهبي

  • Screenshot_20200130-144935

    رسميا.. المغرب التطواتي يعين مديرا تقنيا جديدا

  • محمد التيمومي

    التيمومي في حالة صحية حرجة وطبيب المنتخب يلحق به بفرنسا

رياضة

روبورتاج- مشاهد من القاهرة.. سائقون يعيشون جنتهم الخاصة وسط الجحيم

المسافات هنا في القاهرة، لا تحسب بالأمتار فقط، بل بالزمن أيضا، فعندما تسأل سائق “الطاكسي” أو “الأوبر” عن المسافة التي تفصل مكان تواجدك بمقصدك، فسيرد عليك حتما ” ساعة” أو ” نصف ساعة”.

هذا الرد حيرنا في البداية، واستغربنا له جميعا، وجميعنا طرحنا السؤال نفسه، هل تغيرت أدوات القياس لدى إخواننا المصريين، وباتوا يخلطون بين المتر والدقيقة؟ سؤالنا، لم نطرحه على سائق”الأوبر”، الذي سيقلنا من مدينة نصر، حيث نقيم في العاصمة القاهرة، إلى ميدان التحرير، وبالضبط لتجمع الإذاعات والقنوات المصرية “ماسبيرو”، حيث نرغب في استخلاص رخصة للتصوير في شوارع المدينة، ربما وجلا أو لأننا خلنا بأنه لم يفهم سؤالنا، نحن الغرباء القادمون من المحيط، لكن الجواب حصلنا عليه سريعا، ونحن في الطريق، وهو أن المسافات لا تحددها الأمتار بل “الزحمة”.

“الزحمة”، خاصية مصرية فريدة، لا تختلف عن “الكشري” و”الفول المدمس والطعمية”، الذين اكتشفناهم هنا، بما أنها زيارتنا الأولى لمصر، وهي لا تعرف ساعات الدروة كما لدينا، بل هي موجودة في كل الأوقات، وفي كل الأماكن بقلب المدينة.

ذي مصر يا باشا

هاني، هذا الشاب المصري، الذي أخبرتنا ملامحه بأنه في عقده الرابع، قال لنا بأنه يشتغل في عمل حكومي، لكنه يدبر لنفسه أعمالا أخرى تعينه على أعباء الحياة، من بينها السياقة باستعمال تطبيق “الأوبر”.

وكعادة المصريين، كما لمسنا على الأقل في مقامنا القصير هنا، فإن حديثهم إما تعبيرا عن “حب مصر” أو “شكوى من حالها”، وشكواه الأولى كسائق، هي “الزحمة”. ا

لزحمة المصرية، فريدة حقا، ولأن كل الطرقات هي مملوءة عن آخرها، ولم تخفف من اختناقها “الكوبريهات” أو القناطر التي تم تشييدها مؤخرا، فإنها أباحت للسائق المصري أن يفعل ما يحلو له في الطريق، وخلق ظواهر “شوارعية”، لا يمكنك أن تشاهدها إلا في “قاهرة المعز”، استغربنا لما وثقته عيوننا، وسألنا داهشين، “إيه داه يا هاني ؟، فرد علينا ببديهة مصرية: ذي مصر يا باشا.

فالطريق “للكدعان”، حسب ماقال لنا مرشدنا، لا تعترف “بالدراويش” ولا تمنح فرصة أخرى للمترددين، لذلك فلكي “تبقى” على الطريق، عليك أن تكون “الأقوى”، و”الأقوى لا يلتزم بالقوانين، “هي إيه القوانين أصلا”، يمكن أن يمشي في الاتجاه المعاكس، لا حدود للسرعة، المدارات لا تعني أن تلف حولها، ولا يعرف شيء إسمه حق الأسبقية.. “أنا الأسبق وإن لم أمر أنا الأول، حتأخر ب10 دقائق على الأقل وحفقد زبون”.

هذه تفسيرات هاني، الذي يقارع صعوبة العيش بعملين مختلفين، وبأزيد من 14 ساعة عمل في اليوم، ويصارع مع “زحمة” شوارع العاصمة. تسمرت أعيننا على زجاج السيارة، فطافت مخيلتنا ذاهلة وحائرة بين مشاهدة المآثر والشوارع والساحات والبنايات التاريخية، التي تمتاز بها القاهرة، وتحيلك على أحداث وأسماء تاريخية، طبعت تاريخ البلاد العربية الحديث والعتيق، وبين مشاهدة هذا الموكب الجماعي من السيارات والحافلات.

أنا لسه ماعنديش

في اليوم الموالي، كان لنا موعد مع العودة لوسط القاهرة من جديد، هذه المرة من أجل زيارة “سيدنا الحسين”، بطلب من زملائنا الفوتوغرافيين، أخبرنا هاني بأنه سيعمل نهارا اليوم، وسيعوضه زميله محمود، تقريبا هو في نفس سنه، لكنه بهيئة نحيلة بعض الشيء، وبملامح فيها خجل وحياء فطري، كشفنا سره عندما أخبرنا بأنه من أسوان، جنوب البلاد وريفها.

هنا في القاهرة، لا توجد أحزمة السلامة، ولا يوجد رادار، ولا نرى “شرطة المرور” إلا غبا، بل فقط عشرات الآلاف من السيارات، التي تتصارع فيما بينها من أول صباح اليوم لآخر ليله، اندهش محمود “الأسواني” وهو يشاهدنا جميعا واضعين أحزمة السلامة، وبعضنا علت في وجهه صفرة خوف، فالسرعة التي كان يسير بها جنونية، وطريقة “مراوغته” للسيارات، أوحت لنا بأننا في سيارات “الفورمولا” وليس في سيارة أجرة.

أضحك مشهدنا “الأسواني”، ورفق لحالنا بتخفيف السرعة، يحدثنا بطريقة جد مؤذبة ” حضرتكم معنكمش ذا في المغرب؟”، طرح علينا هذا السؤال وتوجهت أعيننا نحو عداد السرعة، الذي يؤشر على 90 كلم في الساعة، ونحن في مدار حضري، فرد عليه رفيقنا قائلا: ” لو كنت في المغرب لسحبوا منك الرخصة، ومش حتسوق تاني”.

فجر “الأسواني” ضحكة عالية، لم نعرف لماذا انخرطنا نحن أيضا معه في الضحك، لكنه سرعان مع أخرصنا برده: “يا فندم أنا لس معنديش، وممأديش تأمين”، اكتفينا بالتحليق في وجوه بعضنا البعض، في صمت مطبق، وعدنا إلى دهشتنا الأولى.

في الزحة رحمة

المصريون ناس “مؤدبين” ومهذبين، هذا الأمر لامسناه في المقهى الشعبي، الذي نجالس فيه زملائنا المغاربة، كل مساء في مدينة نصر، فمن النادر أن تسمع كلام نابي، أو عبارات مخلة بصوت عالي، وحتى المقاهي الشعبية هنا، تفتح أبوابها للنساء والشابات منهم والأمهات، خاصة خلال مباريات المنتخب، والعبارات التي يستعملها المصريين، فيما بينهم هي “يا باشا” “حضرتك” “سعدتك”، ولو أن الأمر يتعلق بأشخاص في نفس المستوى الاجتماعي والسني، بل في أحيان عديدة بين أصدقاء مقربين.

هذا الأمر لامسناه على طريق “الزحمة” أيضا، التي تحولت لنمط عيش، وبالتالي فإن المصريين يتعاملون معها بأعصاب “الإنجليز”، ربما للاستعمار دور في ذلك، فتخيلوا أن مسافة 20 كلم فقط، قد تكلفك في بعض الأحيان ساعتين من الزمن، وتزيد في فترة المساء، لكن هذا كله لم ينل من أعصاب المصريين. فحتى أصوات منبهات السيارات، ليست بذلك الصخب الذي اعتدنا عليه في أبسط ازدحام مروري عندنا، وعبارات ” الباشا وحضرتك وسعادتك، وبعد إزنك”، حاضرة بقوة في قاموس السائقين.

وصلنا، أخيرا لمدينة نصر، مع أذان العشاء، بعد أزيد من ساعة ونصف، ونحن “ندب” من العاصمة المصرية القاهرة صوب “نصر”، كتمنا غيضنا وأعصابنا، بينما يبدو على محيا “الأسواني” الكثير من الارتياح، فقد أنهى أخيرا يومه المتعب، وسيحصل منا على “غنيمته”، وبينما زملائنا يعدون المبلغ الذي سنؤديه له، ودعناه بدعاء ” الله يعين أعصابك من الزحمة يا باشا”، فرد علينا بابتسامة “الدراويش”: ” في الزحمة رحمة يا فندم”.

شارك برأيك