وكذلك لم يكن.. – اليوم 24

وكذلك لم يكن..

  • هوامش على دفتر هاجر والتكفير

  • هاجر الريسوني

    قضية هاجر الريسوني.. خالد البكاري: أتمنى أن تكون آخر مرة نضطر فيها للخشيبات

كان المندوب الوزاري لحقوق الإنسان شوقي بنيوب قد أصدر رفقة صديقه عباس بودرقة كتابهما المشترك: «وكذلك كان»، الذي يروي جزءًا من تاريخ هيئة الإنصاف والمصالحة، ذلك الجزء الذي يعتمد الرواية الشفهية المنطلقة من مشاهدات ومشاركة شخصيتين لبنيوب وبودرقة فيما جرى.. طبعا، للشهادة والأوتوبيوغرافيا والتدوين الميداني المباشر ثقل حين يتعلق الأمر بالتاريخ الراهن، بخلاف التاريخ القديم، حيث يكون للوثيقة دور أكبر من الرواية..

في تقرير شوقي بنيوب الأخير حول ما سمّاه «أحداث الحسيمة» انتقل من «هكذا كان»، إلى «هكذا لم يكن»، أو لنقل انتقل من موقع الفاعل إلى موقع المفعول به.. من موقع الشاهد إلى موقع ناقل الكفر (بالمعنى الاستعاري)، من موقع كشف جزء من حقيقة ما جرى، إلى موقع التعتيم والخلط ومحاولة تغطية الشمس بغربال «ما أريكم إلا ما أرى».

إن خطورة التقرير لا تكمن في مضامينه فقط، بل في كونه سيصبح وثيقة رسمية مرجعية، وبالتالي، جزءًا من أرشيف الدولة مستقبلا، وثيقة مفككة منهجيا، ومتهافتة حجاجيا، وضعيفة توثيقا، وثيقة لم يبذل فيها أي جهد استقصائي أو توثيقي أو تركيبي، وغالبا أنجزت في الأشواط الإضافية لضرورات استعجالية اقتضت خروجها بذلك الشكل، الذي لم تنجح لا الندوة ولا الحوار مع القناة الثانية، ولا «فذلكات» المندوب الوزاري و»بلاغته» القانونية التي تنتمي إلى زمن «الحلقيات» معزولة من زمن «الرفاق»، في التغطية عن عريها، والعري ليس بالضرورة كشفا عن جمالية الجسد، فلسنا في حضرة «أفروديت»، بل قد يكون كشفا لسوءة تحتاج إلى ورق توت يغطيها.. فنحن لا نحيا بالاستعارات فقط، كما يقول «لايكوف»، بل ننفضح بها كذلك.

إن القضايا التي حاول تقرير المندوب الوزاري القفز عليها، دون التوفر على ما يكفي من رشاقة، ضيعها «كوليستيرول» التقاليد المرعية، هي القضايا التي عادت بقوة بعد ندوة «لاماب»، فمنذ يوم الخميس الماضي، عادت مواقع التواصل الاجتماعي (المضاد الحيوي للإسهال المخزني) لتبث عبر منصاتها مشاهد من مقتل الشهيد عماد العتابي، وفيديو «تعرية» ناصر الزفزافي الذي بدت عليه آثار التعذيب، وكسر أبواب البيوت في إمزورن من طرف القوات العمومية، وحماية هذه القوات لعصابات «البلطجية»، وغيرها مما لم يورده تقرير بنيوب.. لقد انهارت سردية التقرير قبل حتى أن يكمل المتتبعون قراءته، لم يدر بنيوب الذي ينتمي إلى زمن قلم الرصاص الذي ترافقه ممحاة لا تترك أثرا لما يكتب، أن وقائع اليوم مسجلة بالصوت والصورة، ولن ينفع الإنكار والتزييف والترديد الببغاوي في محوها.. فمن حيث أراد إخفاء وقائع عبر الإنكار، أعطى بنيوب لهذه الوقائع فرصة أن تعود من جديد.. تلك هي جدلية الخفاء والتجلي.. جدلية الخفاء والتجلي كانت اسم كتاب لشيخ البنيويين العرب كمال أبو ديب.. البنيوية التي أقحمها بنيوب قسرا في ندوته مع الوظيفية، التي أراهن أن الرجل لا يفقه مدلولاتهما لا الفلسفية ولا المنهجية ولا المرجعية، بل «جيب يا فم وقول» في محاولة للإبهار «البلاغي»، الذي يحجب الضعف «الإقناعي»، وتلك «حرفة» كان يتقنها السفسطائيون الذين ساهموا في بناء صرح «الميطافور»، فالبلاغة حجاج لا حجاب.

عاب علينا البعض تلقينا للتقرير بحدة رأوا أنها مبالغ فيها، ونصحونا بأن ننظر للجزء الممتلئ من الكأس، فالرجل حسبهم تحدث بلغة جديدة، وباحترام عن المعتقلين الذين سمّاهم نشطاء، وأقر بعدالة ومشروعية الملف المطلبي، وتعاطف مع عائلات المعتقلين، وأقر بدين تاريخي للدولة تجاه الريف، وهي إشارات بحسبهم قد تكون مقدمة لانفراج مرتقب، وطي وشيك لهذه الصفحة الأليمة، وأنه من البراغماتية أن نلتقط الإشارات، وأن لا تجرنا ردود أفعال متسرعة على نواقص شابت التقرير نحو أن نهدم المعبد، وأن الأهم هو إطلاق سراح المعتقلين، دون الالتفات كثيرا لهذه الشكليات، فالدولة في النهاية لا يجب أن تبدو منهزمة، وعلينا أن نتفهم هذا الإكراه.

وأمام هذا الطرح، يجب أن ننبه بداية أننا نفصل بين أمرين رغم ترابطهما، وهما: إطلاق سراح كل معتقلي الحراك الشعبي من جهة، ومعالجة آثار أخطاء وانتهاكات الدولة لحقوق الإنسان أثناء الحراكات الاجتماعية..

فبالنسبة إلى إطلاق سراح المعتقلين، فلا يسعنا سوى الترحيب بكل ما من شأنه تمتيع هؤلاء النشطاء بحقهم في مغادرة أسوار السجن، مع احترام كرامتهم، ولا يمكن أن نجعل هذا الأمر ولا يجب أن يكون محل مزايدة من أي جهة، لا في اتجاه التصعيد غير المنتج ولا في اتجاه الإركاع غير المقبول..

لكن في المقابل، من حقنا أن نرى في مقاربة الدولة للحل، كما يعكس التقرير جزءا منها، تكرارا لما ثبت فشله… فالدولة تحاول فيما يشبه تبييض الأموال غير المشروعة، أن تظهر بمظهر «المنتصر»، وضد من؟ ضد جزء من أبناء الوطن!! الدولة تدافع عن «هيبتها» عبر شرعنة عمل أجهزة أمنية ارتكبت انتهاكات لحقوق الإنسان، ونيابة عامة سقطت في امتحان الاستقلالية، وقضاء افتقد للشجاعة والإنصاف.. وكأنها تقدم عرضا ملغوما: الإفراج مقابل الإقرار بسلامة عمل القوات العمومية وحياد النيابة العامة ونزاهة القضاء..

طبعا، سنفرح لإطلاق سراح المعتقلين، كل المعتقلين، ولو بهذه الصيغة، لأننا نعرف ما تعانيه العائلات، ولم نكن يوما دعاة تأزيم على ظهر ضرائب يدفعها غيرنا.. لكن نقول بكل مرارة: إن الدولة كما أخطأت في تدبير لحظة الحراك، تخطئ في  حق المستقبل، وتترك الجروح لكي تتقيح… نعم، الكل تعب.. فإما حل بصيغة مقبولة للجميع، وإما فرض حل ينتصر لهيبة الدولة على حساب الحقيقة.. ولن يكون سوى حل سيجعل أجيالا مقبلة، تردد ما يقوله السيد أحمد الزفزافي: «قد نتناسى، ولكننا لا نغفر..».

شارك برأيك