سليمان الريسوني يكتب.. «هؤلاء لصوص فاسدون» – اليوم 24
سليمان الريسوني
  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب: ما الذي يحدث لنا في باريس؟

  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب: لن أصالح هتلر

  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب: عندما ينتقد المثقف شعبه

الرأي

سليمان الريسوني يكتب.. «هؤلاء لصوص فاسدون»

في نقاش هاتفي جمعني بإلياس العماري، أياما بعد ظهور نتائج انتخابات 7 أكتوبر 2016، وجدت الرجل ينفي بشدة علاقته بمسيرة ولد زروال، ويقول إن من نظمها لم يكن يستهدف العدالة والتنمية ورموزه، بل كان يريد كبح وعرقلة خطو الأصالة والمعاصرة في سيره الحثيث للفوز بتلك الانتخابات، وأن ما رأى فيه البعض هدية أخرى من هدايا السلطة إلى البام، كان، في الحقيقة، زيتا محروقا صبته الجهة التي نظمت المسيرة في محرك الجرار فعطلته. قال لي إلياس: «هل ترى أنني غبي سياسيا إلى الحد الذي يجعلني أقبل بمسيرة كهذه دون أن أقدر نتائجها الكارثية على حزبي؟». هذه المقاربة، تقريبا، هي التي تبناها إدريس لشكر بصيغة أخرى، حين حمل حكومة بنكيران المسؤولية عن تلك المسيرة المضحكة المبكية.

والحال أن ما قاله العماري ولشكر لا يخلو من صواب، لكن لو أنه قيل في دولة مثل السويد أو الهند، حتى، حيث المسؤول عن وزارة الداخلية هو رئيس الحكومة. لكنهما قالاه في دولة تشحن فيها جحافل المراهقين والبؤساء داخل حافلات «الساتيام»، ثم يطلقون في شوارع الدار البيضاء لسب رئيس الحكومة. كان يمكن أن يعطي المغاربة قيمة لكلام العماري ولشكر لو أنه صدر عن قيادة حزب مستقل عن السلطة، مثل نبيلة منيب، لكنهم يعرفون أن حزب العماري ولد في سرير السلطة، وأن حزب لشكر توفي في أحضانها، وبالتالي، فلا قيمة لما قالاه.

لكن، ما سبق قوله لا التماس فيه للأعذار لرئيسي الحكومة السابق والحالي؛ فمن يهن يسهل الهوان عليه. ومن يتنازل عن صلاحياته الدستورية، يصبح مجرد أداة تنفيذ بلا روح سياسية في يد السلطة. وحتى مقولات، من قبيل التدرج في الإصلاح، وتقليص منسوب الفساد، تصبح غير ذات قيمة أمام تغول السلطوية، والإمعان في إفراغ العملية الانتخابية من كل إرادة شعبية كما حدث في 7 أكتوبر. والقاعدة تقول: إن كل سلطة إذا ما تحللت من أشكال مراقبتها، تنتج، بالضرورة، فسادها. وإذا لم تحسم تعاقداتك مع الدولة على أساس دستوري، فستجد نفسك اليوم في مواجهة البام وغدا الأحرار، وبعد غد وجها لوجه أمام ما لست أدريه من هذه الكائنات التي تغير أسماءها دون أن تغير جوهرها الذي يدفعها إلى ممارسة السياسة حفاظا على مصالحها المالية. لذلك، كانت حركة 20 فبراير واعية وواضحة عندما رفعت شعار مواجهة الفساد والاستبداد.

إن العودة إلى هذا النقاش مهمة بل ضرورية في هذه المرحلة التي نرى فيها عودة الداخلية إلى أشكال الاحتكاك نفسه بالبيجيدي، سواء في المجالس التي يقودها، أو من خلال أنشطة المنظمات الموازية له أو المقربة منه. وهذا يحدث بالموازاة مع الهجمات اللاأخلاقية التي يتنافس في شنها على الحزب إعلام السلطة، وقياديون في الحزب الموعود بحكومة 2021.

كان يمكن أن نقول إن هذه مناوشات بين أحزاب في الحكومة وإدارة يفترض أنها تتبع الحكومة نفسها، فممَّ القلق؟ لكن عودة التحرش بالبيجيدي لا تشكل خطورة على هذا الحزب، بل على الديمقراطية، لأن هذا المسار الذي يراد رسمه سيتمخض عنه، في كل الأحوال، أمران لا ثالث لهما؛ إما وصول التجمع الوطني للأحرار إلى الحكومة، وإما بقاء البيجيدي، لكنه سيكون أضعف قرارا وأكثر استسلاما مما هو عليه اليوم. بل يمكن المجازفة بالقول إن البيجيدي، إذا استمر على رأس الحكومة لولاية ثالثة، في ظل الشروط الحالية، سيتحول إلى حزب إداري. وهذان الخياران لا يخلوان من خطر على العملية السياسية ووضع الديمقراطية التي تقهقرت إلى ما قبل 2011.

دعنا نتأمل حالة واحدة من هذه الحالات، ونحاول الخروج باستنتاج ما؛ إن أخطر وأثقل الاتهامات التي وُجهت إلى العدالة والتنمية، جاءت من القيادي في التجمع الوطني للأحرار، رشيد الطالبي العلمي، الذي بعدما قال إن البيجيدي يشكك في المؤسسات الدستورية، ويسعى إلى تخريب البلاد ووضع اليد عليها، ها هو الآن يوجه تهمة أخطر، ويقول إن العثماني وحزبه يتلقون أموالا من الخارج.

الطالبي العلمي، لمن لا يعرفه، لا يمكن أن يقول كلاما مثل هذا إلا إذا كان مأذونا له، فهو الذي كلف بمهمة قطع رؤوس ثلاثة من أكثر شباب حركة 20 فبراير حضورا في الإعلام. استغل فقرهم المادي والمبدئي، وقدم لهم عرضا سخيا؛ الدخول إلى التجمع الوطني للأحرار، مقابل وضعهم في المراتب الثلاث الأولى للائحة الوطنية للشباب في انتخابات 25 نونبر 2011.

كما أن الطالبي العلمي، الذي خرج لاتهام البيجيدي في ذمته المالية، لم يدفع أي سنتيم لمصلحة الضرائب، عن إحدى شركاته، لمدة 25 سنة. وهو ما قدرته المحكمة بمليار و300 مليون سنتيم. أما العمال الذين يشتغلون لديه، فلم يصرح بهم.

ما الذي سيستنتجه المواطن؟ سيقع في خلط ويقول: هل نحن إلا أمام لصوص وفاسدين؟ ومن هنا يمكن أن نفهم كيف كان حراك الريف يهدر بشعار: «هل أنتم حكومة أم عصابة؟». فهل هذا ما يراد تكريسه عن العملية السياسية؟.

شارك برأيك