يوم مع الرفاق.. – اليوم 24

يوم مع الرفاق..

  • # free_hamza_haddi

  • النموذج الصدفوي الجديد..

حضرت أشغال الجامعة الصيفية التي نظمتها فيدرالية اليسار الديمقراطي نهاية الأسبوع الماضي، وأرى أنه من الواجب عليّ أن أساهم في نقاش بعض مما أثير من مداخلات، مادام الرفاق في الفيدرالية وجهوا لي دعوة كريمة لأشارك فيها، انفتاحا منهم على فعاليات من خارج الفيدرالية في خطوة محمودة، ومن العيب أن تنتهي علاقتي بذلك اليوم الدراسي بانتهاء أشغاله، وكأن الحضور هو من باب المجاملة فقط، والأمر خلاف ذلك، في حالتي على الأقل، أنا المسكون بقلق أفق اليسار – كل اليسار-. ليس على المستوى المحلي فقط، بل على المستوى العالمي.. فالعالم يخسر من ضعف وتراجع اليسار، باعتبار شبه غياب قوة مضادة للتوحش النيوــ ليبيرالي وصعود اليمينيات الشعبوية الاقصائية.

كانت الجامعة الصيفية ودون مجاملات لا أتقنها محطة لنقاش جريء لأزمة اليسار ووضع الفيدرالية ضمن معادلة الأزمة هاته، لكنه وككل نقاشات اليسار – حتى عالميا- ينجح إلى حد ما في تشخيص الواقع وتناقضاته، ويتوه حين لحظة التفكير في المخارج واجتراح الأجوبة العملية.. وفي هذا يتركز ثقل الإخلاص لمرجعيات مؤسسة بدأت تفقد كفايتها التفسيرية من جهة، وثقل محاولات التحرر من “سلفية” الإيديولوجيا دون وضوح في الرؤية ولا البديل..

تلك في الحقيقة أزمة اليسار حتى في الجغرافيات التي يحتفظ فيها ببعض من قوته، حتى لا نجلد اليسار المغربي بما يتجاوزه.

وإسهاما مني في استئناف النقاش الذي بدأ، سأحاول في هذه المساحة الصغيرة أن أناقش بعض النقط، ومنها ما ورد في ورقة الأستاذ محمد الساسي.. الذي في اعتقادي مازال مشدودا للإرث البوعبيدي، الذي يراه بوصلة ناظمة وإن لم يصرح بذلك. يعتقد الساسي أن الخط البوعبيدي لازال يملك راهنيته، وأن ما حصل من انهيار لمعبد الاتحاد الاشتراكي هو بفعل انحرافه عن سكة النضال الديمقراطي في أفق الانتقال الديمقراطي، وأنه يكفي العودة إلى ذلك الإرث للإجابة عن معضلات الهنا والآن، وانتشال اليسار من تيهه.. يحاول الساسي أن يعيد يسارا قدم أغلب مناضليه من اليسار الجديد السبعيني ومن امتداداته التنظيمية والنوعية في الجامعة، إلى قالب يسار الحركة الوطنية، غافلا عن كل التراكمات النضالية، والمتغيرات في الواقع والحكم والسياق الدولي والفاعلين الجدد وتأثيرات الميديا الجديدة.

يتحدث الساسي عن فشل أطروحة الثورة، ويقول إن على اليسار أن يعانق الجديد، وهذا الجديد بالنسبة إليه هو أطروحة “الانتقال الديمقراطي” التي يعضدها علم الانتقالات الديمقراطية الذي أصبحت له كراس بالجامعات.

شخصيا، ومع احترامي للعزيز محمد الساسي، أجد كلامه بعيدا عن نقاش اللحظة، فإذا كانت أطروحة الثورة في صيغتيها الطليعية وحرب التحرير الشعبية أصبحتا تنتميان إلى مجال النوستالجيا الثورية، فكذلك، أطروحة الانتقال الديمقراطي لم تعد باراديغما تفسيريا ولا أفقا تغييريا.. بل إن أغلب المنظرين في العلوم السياسية يعتقدون بنهاية حقبة الانتقالات الديمقراطية، بموجاتها المتعاقبة، من الموجة الأوروبية الجنوبية (إسبانيا والبرتغال واليونان) إلى الموجة الأوروبية الشرقية، مرورا، وأحيانا، تزامنا مع تجارب متفرقة في الزمان والمكان بأمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا.. فالعالم يشهد شبه استقرار في أنظمة الحكم، بين دول أكثر ديمقراطية، ودول أكثر سلطوية، ودول حرة نسبيا، لكن أغلب هذه الأنظمة هي مستقرة وعصية عن أي تغيير، وما يقع من تغيير في بعضها هو نتيجة تدخلات خارجية (حالة العراق) أو نتيجة انفجار المطالبات الهوياتية ذات البعد الانفصالي (جنوب السودان) أو نتيجة حراكات شعبية تبدأ بمطالب اجتماعية، ثم تتطور نحو مطلب سياسي واضح بتغيير النظام (تونس)، وفي هذه التجارب التي تتأرجح بين النجاح وبين الدراما الإنسانية، لا نجد أي نموذج للانتقال الديمقراطي الذي من بين شروطه وجود مرحلة انتقالية محددة زمنيا، يجري تدبيرها عبر تفاوضات وتنازلات متبادلة بين النظام والَمعارضة، وبعبارة واضحة: المراهنة على إمكان انتقال ديمقراطي بالمغرب، هو مراهنة على اللاممكن في الأفق المنظور، ليس بسبب اختلال ميزان القوى فقط، بل بسبب طبيعة الحكم نفسها. لقد كان بالإمكان فتح طريق نحو الانتقال الديمقراطي في المغرب، في لحظات عديدة، مثل اللحظة التي أعقبت فشل المحاولتين الانقلابيتين ضد الحسن الثاني، وكذا في محطة النقاش حول التناوب، وصولا إلى السنوات الأولى لحكم محمد السادس.. هي لحظات ضاعت بفعل سوء التفاوض وظهور النزعات المصلحية وانكشاف ضعف المعارضة تنظيميا وجماهيريا، مما جعل القصر يستعيد في كل مرحلة المبادرة، وتكون تنازلاته ظرفية، لا تتعدى الانحناء العاصفة.

اليوم، يتم تصنيف النظام في المغرب باعتباره نظاما سلطويا مستقرا، حيث يستفرد الملك بالقرار، وحيث لا تلعب السلط الأخرى أي مقاومة مضادة، وينتقل بمرونة بين السلطوية المتشددة والسلطوية الناعمة بحسب السياقات، لكنه لا يتخلى عن جوهره التحكمي.. وبالتالي، فهو لا يعمل سوى على إعادة تدوير السلطوية.. هو نظام وصل إلى تشكله النهائي، فلا هو في تراجعاته الحقوقية قادر على العودة إلى زمن تازمامارت مثلا، ولا هو في تنازلاته الظرفية منفتح على أي إمكان لانتقال ديمقراطي، لا يرى أنه في مصلحته من جهة، ولا يرى أنه مضطر له.. من هنا يكون التفكير في أطروحة لتفكيك السلطوية أجدى من إعادة تجريب أطروحة الانتقال الديمقراطي في سياق مختلف..

شارك برأيك