الفقيه بينبين: هذه قصة ابني في سجن تازمامارت -الحلقة15 – اليوم 24
الفقيه بينبين
  • برلمانيون عن فريق الاصالة والمعاصرة بمجلس النواب -ارشيف

    مشروع القانون الجنائي في ثلاجة مجلس النواب بسبب اعتراض “الأصالة والمعاصرة”

  • عبد الحق بلشكر

    عبد الحق بلشكر يكتب: تلاميذ مغاربة أمام اختبار دولي

  • العثماني وبنشعبون

    تصل 10 ملايير درهم.. حقيقة إعفاء معاشات مليوني متقاعد من الضريبة على الدخل

مجتمع

الفقيه بينبين: هذه قصة ابني في سجن تازمامارت -الحلقة15

قضى الفقيه بينبين مدة تناهز 31 عاما يشتغل مؤنسا للملك الحسن الثاني.. ابنه ماحي بينبين، اختار توثيق هذه التجربة المثيرة في رواية «مؤنس الملك» التي تمت ترجمتها لعدة لغات.. في هذه الحلقات نجري حوارا مع الروائي والفنان ماحي بينبين، وقصته مع والده، كما ننشر أبرز فصول الرواية.

ناورت كثيرا في كتابة سيرتي لكي أتجنب الحديث عن جرح يحز في نفسي منذ أمد بعيد، وهو يتعلق بابني البكر الذي خطر بباله القضاء في صباح واحد على مجهود حياة بكاملها. لم يكن ممكنا لشخص ملعون كهذا إلا أن ينتهي به المطاف في ظلمة سجن بجنوب البلاد، بني على أبعد مسافة ممكنة من البشر، هناك في الصحراء، في حجر محفور وسط المجهول، في مكان يليق بالضلال الذي أقحم نفسه فيه، ليقضي ما تبقى من حياته بين أشباح أمثاله من الرجال.

جعلتني هذه المأساة أبدو في نظر الجميع حفارا لقبر ولدي، وأصبحت وحشا، ونذلا، وخائنا، وظلمت وحوكمت وأدنت مسبقا. كيف يمكنني أن أروي قصتي الشخصية بدون أن أذكر قصة ابني، لحمي ودمي، الذي كاد يجرفني معه في سقوطه؟ كيف أصف عودتي كل يوم إلى المنزل حيث تنتظرني امرأة في حالة حداد دائم؟ ظل الأمر مقبولا حين كان هابيل معتقلا في سجن عاد، ولم تخل العلاقة المتوترة بيننا من اللياقة والاحترام. لم تفوت زوجتي خميسا واحدا، وهو يوم الزيارات، لتذهب إليه حاملة سلة من الطعام والملابس النظيفة والسجائر البنية اللون. وكانت برغم حزنها تعود في المساء مطمئنة هادئة.

حتى إنها أحيانا كانت تمزح فتقول إن السجن يسمح لها برؤية ابنها أكثر مما كانت تراه وهو حرا، طبعا لم تكن تراه كما تريد.. ولكن ذات يوم توقف كل شيء، واختفى هابيل من الوجود. لم يكن بوسع أي كان أن يقدم إليها أدنى تفسير. ولولا ولدي المراهقين اللذين ينتظرانها في المنزل، لفقدت مينا عقلها. ومع ذلك، لم تتوقف عن زيارة السجن المركزي كل خميس في تمام العاشرة، حاملة معها سلة الطعام والملابس النظيفة وسجائر. وفي الأعياد كانت تضيف علبة ملأى بالحلويات. لم ينفع طرد الحراس لها، كانت تعود دائما، وتجلس على مقعد أمام البوابة الحديدية الضخمة طوال الصباح. ماذا كانت تنتظر؟ لا أعلم. ربما حمامة زاجلة تحط في حضنها حاملة إليها أخبارا عن ابنها. كان المتسولون يتحلقون حولها، مدركين أنها وفي نهاية المطاف ستوزع عليهم الطعام والملابس النظيفة والسجائر بالتساوي.

مرت سنة كاملة قبل أن تتوقف أخيرا عن هذه الزيارات المؤلمة وغير المجدية. لم يعد بوسعها أن تتحمل اللازمة التي يرددها عليها الحراس: (بناء على أمر من الملك نقل المتمردون إلى ثكنة عسكرية…)، (لا يا سيدتي المكان سري). أمر الملك هذا كان يشمل محيط الملك، أي أنا ورفاقي، المطلعين حكما على الأسرار. في تلك الحقبة انهار زواجنا. ذات مساء كنا راقدين على سريرنا، فمالت مينا نحوي وقالت في أذني: (متى تنوي أن تعيد إلي ابني؟) بقيت عاجزا عن الكلام، اكتفيت بالنظر إليها بدون أن أصدر صوتا واحدا. كان لطلبها وقع الصفعات اللئيمة التي اعتاد أبي أن يوجهها إلي في طفولتي بسبب أخطاء لم أرتكبها.

بم يمكنني أن أجيبها؟ لم تكن أية ذريعة لتبدو مقبولة أمام هذا الاتهام المبرم. نهضت مينا وغادرت الغرفة، وكان ذلك آخر يوم تشاطرني فيه سريري. لم تكن من النساء اللواتي ينزلن إلى الشارع فيلطمن وجوههن ويندبن اختفاء أبنائهن. كما لم تكن تبوح بما يخالجها أمام صديقاتها اللواتي يزرنها لشرب الشاي بعد الظهر. لكن الخادمتين كانتا تسمعانها أحيانا تكلم نفسها بين تنهيدتين في المطبخ، قائلة: (اشتقت إلى ابني) أو (لا بد من أنه يرتجف بردا في مثل هذا الطقس)، أو (هو يحب هذا الشيء، أو ذاك…) وخلال الأعوام العشرين التي تلت، ظلت مينا تؤمن بأن معجزة ستحدث، وبأن ابنها الذي اختفى سيعود للظهور ذات صباح وحين تسمع تلك الدقات المألوفة، تنتفض وترتب شعرها وتغادر المطبخ على عجل لتفتح له الباب. وهناك لا تسارع إلى معانقته كما قد تفعل أية أم، بل تتريث لتتأمل بإعجاب العملاق الذي يسد بجسده فتحة الباب. كان ولدها تحفة حقيقية، وينبوع فخرها الذي لا ينضب، حفنة من الطين عرفت كيف تصنع منها تمثالا رخاميا حيا محبا، مشرقا، واقفا بجلال أمامها. كانت تتأمل بعيني فنانة ابنها الضابط القوي البنية، والمتميز بأناقته، والوسيم جدا، والزاهي ببزته العسكرية.

لكن هابيل لم يكن يقاوم إغراء حمل أمه، فيشدها إلى صدره بقوةـ كانت بنيته ضخمة بعكسها تماماـ ويبقيان معا متعانقين كحبيبين طال غيابهما، بدون أن يتبادلا كلمة واحدة، بالكاد يتنفسان. ثم يضعها أرضا برفق وينحني ليقبل ظاهر يدها وكفها، مواصلا تلك العادة الرقيقة التي دأب عليها منذ الطفولة. تترك له يدها بكل سرور، فلا يتخلى عنها.

ويذهبان معا إلى الصالون. كان هابيل يعرف أنه لن ينجو من الاستجواب التقليدي حول حياته بعيدا عن المنزل. فمينا تريد أن تعرف كل شيء حول الثكنة، والرحلات إلى الصحراء حيث خطر الحرب قائم دائما، وموعد العرض العسكري المقبل الذي ستدعو إليه صديقاتها للمجيء والتصفيق لبطلها.

شارك برأيك