ليس بالخبز وحده.. – اليوم 24
سليمان الريسوني
  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب: قهوة الفلانخيين الجدد

  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب: “عاش الشعب”

  • سليمان الريسوني

    رسالة الزفزافي وتقرير الشامي

الرأي

ليس بالخبز وحده..

صحيح ما قاله الملك، في خطاب ثورة الملك والشعب، عن أن المغرب بلغ مرحلة لا تقبل التردد أو الأخطاء، وأنه يجب علينا جميعا أن نصل إلى حلول للمشاكل التي تعيق التنمية ببلادنا. لقد خذل الملك «خبراء» العقل التبريري عندما قال إن المسؤولية مشتركة في ما يتعلق بالمعيقات التي تحول دون تحقيق نمو اقتصادي عال ومستدام ومنتج للرخاء الاجتماعي. وبذلك يكون الملك قد أعفى كتائب «الخبراء» و«المحللين» من البحث وسط الضباب
عن شماعة الحكومة ليعلقوا عليها الإخفاقات، وعن رقبة المؤسسة 
الملكية ليلبسوها الإنجازات. المسؤولية 
–يقول الملك- مشتركة.

لقد اختار الملك ذكرى ثورة الملك والشعب، وهي محطة سياسية بامتياز، للحديث عما هو اجتماعي وتنموي. وحتى عندما قال: «إننا نتطلع إلى أن يشكل النموذج التنموي، في صيغته الجديدة، قاعدة صلبة لانبثاق عقد اجتماعي جديد، ينخرط فيه الجميع»، فإنه جعل الأحزاب السياسية والنقابات في مرتبة ثالثة بعد الدولة ومؤسساتها أولا، والقطاع الخاص ثانيا، ما يعني أن الحل، في رأي الملك، تقني واقتصادي، وهذا يطرح سؤال: إذا كانت مؤسسات الدولة هي التي ستسهر على تنفيذ النموذج التنموي، في صيغته الجديدة، والقطاع الخاص سيسهم في تمويله، فما هي الأدوار المزمع إناطتها بالهيئات السياسية والنقابية، والمنظمات الجمعوية، وعموم المواطنين؟

صحيح أنه، منذ مشاركة أحزاب الكتلة في حكومة 1998، أصبح هناك اتفاق على أن الأحزاب أصبحت ضعيفة وغير قادرة على تأطير المجتمع وإقناعه بمشاريعها وبرامجها، وأن دورها لم يعد يتعدى مساعدة الملك في الحكم، على مستوى الدولة، ومساعدة رجال السلطة في الحكامة على مستوى المجالس الترابية، وهذا الرأي هو الذي دفع جهة داخل الدولة إلى خلق حزب إداري إيديولوجي، انتهى إلى فشل سياسي وأخلاقي. لكن، إلى جانب الاتفاق الحاصل على أن الأحزاب أصبحت ضعيفة، هناك اتفاق آخر على أن لا تنمية دون عملية سياسية ديمقراطية، خصوصا أن المغرب الحديث تأسس على التنوع والاختلاف السياسي والفكري الذي لا يمكن تغييبه في أي سياسة تنموية، وبالتالي، لا يمكن أن ينجح أي نموذج تنموي إلا عن طريق ديمقراطية ليبرالية، وإلا فإننا سنكون أمام نتيجتين لا ثالثة لهما؛ إما أن النموذج التنموي، في صيغته الجديدة، سيلاقي الفشل الذي لاقاه في صيغته القديمة، وإما أنه سيلاقي النجاح، لكنه سيكون نجاحا في الحد من البطالة والفقر، وليس في الحد من الجهل. وبالتالي، سنجد أنفسنا، كما يقول أستاذ العلوم السياسية، عز الدين العلام، أمام «أطباء ومهندسي التكوين المهني»؛ لا وعي سياسي ولا ثقافة ولا ذوق لهم. وبعبارة أخرى، سنكون أمام جيل من الصناع، لكنهم ليسوا صناع قرار، ولو تعلق الأمر بقرار تسيير أسرهم وتربية أبنائهم واختيار ممثليهم والدفاع عن حقوقهم. شخصيا، طالما اصطدمت بأطباء ومهندسين على مستوى عال من الخبرة التقنية، لكن فهمهم للدين والثقافة والسياسة لا يختلف عن فهم 
أمهاتهم عديمات التكوين.

وعندما نتحدث، بحسرة، عن أننا نفتقر إلى همة وإبداعية وثقافة جيل ما بعد الاستقلال، فيجب أن نتفق على أن الدولة لم تكن تقوم بمجهود عظيم من أجل أن يكون هذا الجيل في ذلك المستوى. المجهود الوحيد الذي قامت به هو أنها كانت ترفع يدها عن مشاتل تكوين وتأطير الشباب (الحركة التلاميذية والطلابية والأحزاب والنقابات والجمعيات). كما يجب أن نكون على وعي بأن أحزاب الحركة الوطنية (الديمقراطية) لم تكن قوية ومؤثرة وذات مصداقية، لأنها كانت توجد في المجالس والبرلمانات والوزارات، بل كانت قوية يوم كانت تخلق سلطة اجتماعية وثقافية موازية لسلطة الدولة، داخل اتحاد الكتاب ومسرح الهواة والأندية السينمائية والنقابات والاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وفي الأحياء… ومنذ اليوم الذي تغلغلت فيه يد الدولة داخل الأحزاب والمنظمات الموازية لها أو القريبة منها، بالضبط والمنع والزرع والتوجيه، واستسلمت الأحزاب لذلك، أصبحنا أمام أجيال لا تجهل، فقط، الشأن السياسي والثقافي، بل هي جاهلة بمجال تخصصها. لقد سبق لي، شخصيا، أن أشرفت على إنجاز «ميكروطروطوار» صحافي مع طلبة التاريخ بإحدى 
جامعات الدار البيضاء، تحت سؤال: «ما هي الدول التي حكمت المغرب منذ الأدارسة إلى الآن؟»، فكانت النتيجة هي أن 
أغلبهم يجهلون الجواب (الفيديو متوفر على اليوتوب).

لا يمكن إنكار التقدم الذي عرفه المغرب، في كثير من المناحي، مع مجيء الملك محمد السادس إلى الحكم، كما لا يمكن، أيضا، تغطية الشمس بالغرابيل أو بالطبول على تراجعه أو عدم استقراره في مؤشر الحكامة، ومؤشر التنمية البشرية، ومؤشر محاربة الفساد، ومؤشر المجال المعرفي، ومؤشر الرفاهية الاجتماعية، ومؤشر بيئة الأعمال، حسب تقارير دولية ووطنية ذات مصداقية. فما الذي ينقصنا لكي نوقف نزيف التراجعات، ونجعل من العملية التنموية والإصلاحية عملية تصاعدية ومستقرة؟ يلزمنا جو سياسي شبيه بالذي ساد خلال ورش «طريق الوحدة» ولحظة تقرير الاحتفاء بثورة الملك والشعب، لأنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان وتتقدم المجتمعات. وإذا كان محمد الخامس قد عرف كيف يجعل من تاريخ 20 غشت ملحمة ومحطة دافعة للملك والشعب، فماذا لو جعل محمد السادس من تاريخ
20 فبراير لحظة مماثلة؟.

شارك برأيك