عودة السلطان … بين الملكية البرلمانية والبرلمانية الملكية – اليوم 24

عودة السلطان … بين الملكية البرلمانية والبرلمانية الملكية

  • بنكيران واللوبي الفرنسي.. صراع مواقع

  • أخوكم التحكم

خطاب الملك الأخير بمناسبة عشرين غشت 2019، يؤرخ لذكرى ثورة شعبية عفوية للمطالبة بـ»عودة السلطان»، وقد جاء هذا الخطاب في سياق التصريحات التي وردت على لسان مستشاري الملك، والتي أطلقت بعض الإشارات التي تفيد بأن المغرب يمكن أن يتجه مستقبلا، في سيرورة تطوره الديمقراطي وتجديد نظامه السياسي ومؤسساته الدستورية، إلى ملكية برلمانية .

ما يهمنا في النقاش الدائر حول الملكية البرلمانية اليوم، ليس هو وضعية الملك والملكية، وإنما وضعية البرلمان، أي ما يهمنا ليس هو التركيز، كما يفعل ذلك البعض من أجل التغليط والتخويف والتمويه، على نظام يكون الملك فيه «يسود ولا يحكم»، وإنما يهمنا الوجه الآخر للمسألة، والذي مؤداه أن البرلمان سيصبح، إلى جانب الحكومة المنبثقة عنه، مسؤولا مسؤولية كاملة أمام الشعب، وسيستفسر دستوريا وقانونيا وسياسيا عن كل القرارات التي تصدر عنه وسيخضع للمحاسبة دون أن يكون له الحق في اللجوء، كما يحصل اليوم، إلى ذلك الإدعاء المشروخ حول المسؤولية العليا لرئيس الدولة.

إن الأمر يتعلق بالتطور الذي سيخضع له العمل البرلماني، وما سيترتب عن ذلك من إجبارية الارتقاء بالعمل الحزبي، وما سيصاحب ذلك من ضرورة تحمل الأحزاب لمسؤولية الوعود والبرامج التي ستتقدم بها والمرشحين الذين ستعتمد عليهم. وما سينجم عن ذلك من انهيار للعديد من قلاع الكذب والوهم وانكشاف العاهات التنظيمية والأخلاقية (بمفهومها السياسي طبعا)، وبالتالي، سيؤدي كل هذا إلى رفع حالة الاحتكار عن الشأن الحزبي والشأن العام وانبثاق أفكار وهياكل جديدة متناغمة مع طبيعة وفكر ومتطلبات المرحلة.

من هذه الزاوية، أعتبر أن دوافع أولئك الذين يحاولون التنقيص من الإشارات الملكية، سواء تلك الواردة في حوار مستشاريه أو كما فهمناها، وكما فهمها قطاع واسع من الشعب المغربي من خلال خطابات جلالة الملك، هذه الدوافع ليست ناتجة سوى عن رغبة المتنفذين والمنتفعين في الاستمرار بالاختباء وراء الملك، والاستمرار في استنزاف مقدرات الشعب المغربي باسمه زورا وبهتانا، عن طريق منظومة وقوانين الريع التي يشرعها البرلمان لنفسه ويطبقها باسم الملك، مع ضمان عدم المحاسبة وتكريس الإفلات من العقاب، هذه المنظومة التي يمكن تسميتها بـ»البرلمانية الملكية»، أي برلمان ينسب كل شيء إلى الملك، ويحسب فيه كل برلماني نفسه أنه ملك على الناس، كما يعمل على الاختباء وراء الملك.

لذلك، فإن المنتظر في تصوري الشخصي هو نظام سياسي يتم فيه الفصل بين التوقير والاحترام الواجب للملك، المبني على البيعة وإمارة المؤمنين، مع الاحتفاظ بكل السلطات المرتبطة بذلك، وبين المساءلة القانونية عن تدبير الشأن العام التي يجب أن يخضع لها المسؤولون بالمناطق والجهات والقطاعات، وأقترح في هذا الصدد أن يتم الرجوع إلى تسمية «السلطان»، مع كل ما تحمله هذه الكلمة من رمزية ودلالات عميقة في التاريخ المغربي، ومن صلاحيات مركزية لا تحول دون المحاسبة التي يجب أن يخضع لها المسؤول السياسي عن القرارات التي يتخذها.

العودة إلى تسمية «السلطان» مصحوبة بتكريس فعلي للجهوية المتقدمة تعتبر تركيبة رائعة تحقق انتقال المغرب لوضع قريب جدا من الملكية البرلمانية بمفهومها الكوني، ولكن بصيغة مغربية خالصة، وفي الآن عينه، تحافظ على الوضع السياسي القوي للملك، وتحقق الاستمرارية التاريخية للدولة المغربية التي تأسست منذ أربعة عشر قرنا ونصف .

شارك برأيك