محرقة السيادة – اليوم 24
يونس مسكين
  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب.. هواء مغاربي جديد

  • يونس مسكين

    يونس مسكين يكتب.. بنوك الإذعان

  • أنطونيو غوتريس

    غوتريس يدعو إلى رصد مستقل لحقوق الإنسان في لصحراء

الرأي

محرقة السيادة

بداية، وقبل أن يتّهمنا أي كان بالتحامل على أي جهة أو إعطاء الدروس دون نقد ذاتي، دعونا نعترف من الآن بأنالصحافة المغربية طالها ما طال جلّ تجليات العيش المشترك في المغرب، من مؤسسات وهيئات ومنظمات، أيالضعف والوهن والتخبط. المناسبة هنا أننا نعود اليوم لنتابع حدثا كشفته الصحيفة الإسرائيلية «جيروزاليمبوست»، تماما مثلما توقفنا قبل أيام قليلة عند خبر آخر لم يكن الرأي العام المغربي ليطلع عليه لولا هذه الصحيفةالإسرائيلية نفسها، أي خبر زيارة مستشار وصهر الرئيس الأمريكي، جاريد كوشنر، المغرب، ومقابلته مسؤولين عرباسامين بشأن ما يعرف إعلاميا بـ«صفقة القرن».

وإذا كانت زيارة كوشنر تندرج ضمن الأحداث السياسية والدبلوماسية التي تدور في «الفوق»، والتي لا يصل منهاإلى الرأي العام إلا النزر القليل في جميع الأحوال، فإن ما صفعنا به الصحافيون الإسرائيليون هذا الأسبوع، هوكشفهم مشروعا سياسيا واقتصاديا وحضاريا ضخما، أُسس وبني وخضع للمسات الديكور، بل وحتى الدعاية فيالأوساط الموجّه إليها، دون أن ننتبه إلى ذلك، فبالأحرى أن نناقشه ونتجادل بخصوصه كأي أمة معاصرة.

الحكاية التي انفجرت في وجوهنا مثل لغم دفن تحت أقدامنا، تفيد بأن شخصا ألماني الجنسية، بولوني الأصلحسب زعمه، حلّ بالمغرب عام 2015 (أو 2014)، وظلّ يقيم منذ ذلك الوقت فوق تراب المملكة دون حسيب أو رقيب،علما أن الأجانب الذين يدخلون المغرب دون تأشيرة، مطالبون بالحصول على بطاقة إقامة تتجدد باستمرار بعدتجاوزهم فترة 3 أشهر من الإقامة باعتبارهم «سياحا».

صديقنا الألماني هذا، الذي تحوّل إلى «حرّاك» داخل المغرب، وجد الوقت والتسهيلات الكافية ليقدم على إقامةمشروع ينطوي على خلفيات حضارية وسياسية خطيرة، من خلال بناء نصب تذكاري يخلّد المحرقة التي ارتكبهاالنازيون في حق اليهود في أوروبا، مع تركيز خاص على فئات معينة من الضحايا المفترضين، أي المثليين جنسيا.

متى قرّر المغاربة إقامة نصب تذكاري للهولوكوست؟ وما علاقة المغاربة بمثل هذا الحدث التاريخي، وهم الذيناحتضنوا وحموا اليهود أثناء خضوع المغرب لحماية فرنسا وحكومة «فيشي» الموالية للنازية؟ ومتى تطوّر النقاشالوطني حول المثلية ليصل إلى درجة تخصيص نصب تذكاري لهذه الفئة من ضحايا الهولوكوست؟ لا جواب.

بتتبع خيوط الحديث الذي أدلى به «الحراك» الألماني، أوليفر بينكوفسكي، والجهة التي تتبنى المشروع، المنظمةالألمانية «بيكسل هيلبر»، سنجد أن ما بني في قرية «آيت فاسكا» القريبة من مراكش يلتقي فيه هدفان؛ واحدسياسي عابر للقارات، وثان اقتصادي.

الهدف السياسي هو تحقيق اختراق جديد للنسيج الاجتماعي والسياسي المغربي، بتوظيف نصب يرمز إلى محرقةالهولوكوست، واستدرار تعاطف المغاربة مع دولة إسرائيل، وهنا لا بد من وقفة لنذكّر بأن إسرائيل لا تعني اليهود، ومنأسعفه الوقت ليقرأ سيجد أن المشروع الصهيوني له جذور فكرية ودينية في المسيحية (البروتستانتية)، وأن قسماكبيرا من اليهود، خاصة «الأصوليين» منهم، يرفضونه.

أما الهدف الاقتصادي الذي كان صاحب المشروع يرمي إلى تحقيقه، فهو استغلال الانفتاح المغربي على الجاليةاليهودية المنحدرة من أصول مغربية، ورغبتها في زيارة المملكة، إما لتجديد الصلة بأرض الأجداد أو لاكتشاف واقعدولة عربية من الداخل. أكثر من ذلك، كان صاحب المشروع يمهّد بما أقامه من أشكال وألوان لاستثمار نوع آخر منالسياحة، حين اختار التركيز على فئة المثليين من بين ضحايا الهولوكوست.

ما يهمّنا في هذه الحكاية ليس أبعادها الفكرية وخلفياتها السياسية، بل يهمنا أكثر هذه الإهانة الجماعية التيوجّهها إلينا هذا المواطن الألماني ومن يقف وراءه، حين استباح أرضنا ودولتنا، وقضى، حسب ما أعلنته المنظمةالمحتضنة، أكثر من عام في إنجاز أشغال البناء والتزيين، موظفا 10 عمّال مغاربة وعشرات الآلاف من الأحجار،وربّما الأطنان من الإسمنت، لتأتي سلطاتنا في النهاية، بعدما مارست صحيفة إسرائيلية هواية صهيونية شهيرة في«بيع القرد والضحك على من اشتراه»، لتنكر وجود النصب من أساسه.

هكذا اعتقد من حرروا بلاغا منسوبا إلى عمالة الحوز، أن مجرّد غياب نسخة من ترخيص رسمي صادر عنها لإقامةالمشروع، يعني عدم وجوده، وبالتالي، فإن كل ما نشر «لا أساس له من الصحة». هل يكفي غربال كهذا لإخفاءشمس ساطعة لمشروع أقيم بالكامل، وعلّقت على بابه لافتة تحمل اسم النصب، ورصدته الأقمار الاصطناعية،وشاهده مباشرة مستعملو «غوغل أورث» عبر العالم؟

الحقيقة أن الوقوف عند تقصير السلطات المحلية والجماعة التي أقيم عليها المشروع لن يعدو أن يكون مجرد اكتفاءبـ«ويل للمصلين». في دولة من عالم آخر يدين باحترام القانون والمؤسسات، كان الأمر ليرقى إلى مرتبة الفضيحةالوطنية، ويعفى على إثرها الوزراء والمديرون وكبار المسؤولين. هل يعقل أن الجهات التي أقنعتنا قبل أشهر بأن مجرّدحلق شخص «سلفي» لحيته أثار انتباه أعوان السلطة، ليحرروا في حقه التقارير المحذرة من احتمال قرب إقدامهعلى عمل إرهابي، ستقنعنا اليوم بأن مشروع نصب الهولوكوست أقيم في غفلة منها.

دعونا نجزم، انطلاقا من معرفتنا بـ«خروب» بلادنا، بأن خطأ كبيرا ارتكب في هذا الموضوع، وذلك على الصعيدالمركزي لا المحلي. خطأ في التقدير تعامل مع الأمر بتهاون كبير، جعلنا اليوم نبدو في الصحافة العالمية كأننا شعبودولة يعادون اليهود، ويهدمون بكل «وحشية» نصبا تذكاريا يخلّد أرواح الضحايا الأبرياء للهولوكوست.

إن هذا المشروع لم يكن ليُنجز لو لم يكن بين المسؤولين المحليين من تواطأ أو ارتشى أو تهاون على الأقل، ومنالمسؤولين الوطنيين من تعامل مع الأمر كأي «بريكول سياحي» يقوم به عادة أجانب يستفيدون من تغاضيالسلطات ليستغلوا البشر والحجر، وينتهكوا أعراض النساء والرجال والأطفال، حتى إذا افتضح أمرهم، جرىترحيلهم بتهمة الإقامة غير القانونية.

المشكلة أن «البريكول» انطوى هذه المرة على لغم ضخم، يرقى إلى مرتبة المحرقة التي استباحت سيادتنا..

شارك برأيك