كنت هناك يوم خسرنا المعركة – اليوم 24
منير أبو المعالي
  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: لا داعي للقلق من اليمين القومي

  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: هل قلت: تحالف تنموي!

  • منير أبو المعالي يكتب.. التجمع الوطني للقوات الشعبية

الرأي

كنت هناك يوم خسرنا المعركة

التوافقات كلمة ذات مفعول سحري، لكن نتائجها قد تكون مدمرة لأي تقدم عملي. وفي مسعى تطوير المؤسسات،تُطوح التوافقات بالقدرة على جعل الصورة أكثر وضوحا. في تلك المعارك حيث يصبح التفاوض مجرد تنازلات لامتناهية باسم الحنكة السياسية، يكاد المرء يتلمس نفسه وقد عاد إلى الصفر؛ وإن لم يعد إليه في الحين، فإن الصفرسيصفع وجهه بعد حين. في تلك الجلبة المزيفة، تستطيع تحسس شيء أكثر زيف: الثقة في النفس.

تلك الثقة لم تكن مفتقدة في تلك الأجواء الممطرة من شهر مارس عام 2015. المناظرة الوطنية حول الإجهاض وقدحظيت برعاية ملكية، كانت حفرة في جدار قاس عمّر لمئات السنين، لكن الشعور العام كان محاكيا لمشاعر الحماسةعندما كانت المعاول تهدم جدار برلين.

في قاعة مكيفة، كانت المعركة تدور بين فريقين فحسب، المحافظون الذين كانوا يبدون متجانسين وقد دفعوا بأفضل مايملكون من عقول إلى تلك المواجهة، ثم الليبراليينإن جاز التعبيروقد كانوا شيعا. كانت القضية تُدار على طرفينقيض، حيث لا مجال لقول وسط. بين هؤلاء الذين يدافعون عن فكرة حالمة هي أن تصبح للنساء حرية في التصرفإزاء أجسادهن، وبين أولئك الذين لم يروا بشكل متطرف، في هؤلاء سوى أشخاص مارقين، كانت الآمال تتضاءل.

في الواقع، كان الحسين الوردي، وزير الصحة، آنذاك، يبدو أكثر إقناعا، لكنه كان يلقي بأفكاره على الرصيف ثميغادر. لم يكن مهتما يما يجب أن يكون، فقد كان شخصا في مهمة. مبعوثا وحسب. مدير مناقشة برتبة وزير. كانتتلك الصورة لوحدها قادرة على إقناع الكثيرين بأن ما يحدث مزحة.

وفي الحقيقة، فقد كانت تلك المناظرة عبارة عن حفل مزاح جماعي. ولو لم يكن هناك حفظ لبعض القواعد، فإننا فيالغالب، كنا سنجد أنفسنا وسط ساحة للقتال. لقد خرجت بقناعة واحدة من هناك: إن الذين يملكون فكرة واضحةيفشلون عادة في جعلها مقنعة. وقع ذلك لشفيق الشرايبي، وهو طبيب يملك سمعة جيدة بين المدافعين عن الإجهاض. كلماته تكاد تتحول إلى تمتمة غير مفهومة. كان منظرا مؤسيا. مثله في ذلك، مثل عبدالصمد الديالمي، وهو خبير يلقىالحفاوة من لدن أولئك المشدوهين بالنظرة الفرويدية نحو العالم، فقد خسر بسرعة مناظرته وهو ينجذب إلى فخالصياح مع رجل دين مثل مصطفى بنحمزة.

معركة الإجهاض لم يحسمها شارع، ولا حشد بشري يحمل لافتات. بل حسمها جمع صغير من الخبراء المزعومين غيرالمبالين بالمنهجية الفعالة في ربح مناظرة لا تنقل على التلفزيون. لقد حقق المحافظون نصرا صغيرا لأنهم يفهمونكيف هو الخصم. اعرف عدوك أولا.

الليبراليون الذين يدّعون، غالبا قيم الحداثة، مثل كثيرين ممن أعرفهم يغرّدون في هذه الأثناء بعنف وإصرار حولالحق في الإجهاضمستخدمين بوقاحة قضية غير ذات صلةلم يظهر لهم أثر في تلك الندوة. بعض النواب فيالبرلمان، وهم يرفعون عقيرتهم اليوم، منادين بتعديل القوانين، كانوا مكتفين في مناظرة حاسمة، بشرب كؤوس عصيرالبرتقال. الديالمي نفسه، وقد فشل في مبارزته القصيرة مع بنحمزة، قرر أن يستجمع شجاعته وينتقم لنفسه، محررامقالا نشره موقع إلكتروني بعد حوالي أسبوع. كانت رصاصة فارغة أُطلقت في الهواء.

لنكن أكثر شجاعة لقول الحقيقة كما هي: خسر الليبراليون معركة الإجهاض حينها لسبب جوهري؛ لقد دخلوها وهممقتنعون بأن شخصا آخر سيحارب لصالحهم. ذلك الاعتقاد الخيالي المستورد من قصص حروب قديمة، بأن مددامن السماء سينزل وسينقذ الموقف. لقد شاهدت ذلك وسمعته بوضوح: إن المعركة لن تحسم في ذلك المكان. دعالمحافظين يستنزفون العتاد.

الأشخاص أصحاب المخيلة الواسعة، كانوا ينظرون إلى الرسالة الملكية وقد تُليت قبل أن تنطلق المعركة، بمثابة جرسمبكر. ليس لإيقاظهم، وإنما لدفعهم نحو مزيد من النعاس. كانت الفكرة وقد سرت مثل هواء بارد هي أن كل شيءسيتغير، وتكاثرت التلميحات إلى الملك أكثر مما ذهبت إلى شيء آخر. كان من الصعب تصور مثل ذلك العمى، ولكنالثقة إن زادت، تتحول إلى نقمة.

لقد ربح المحافظون لأن الليبراليين لم يفعلوا شيئا. لقد تصوروا أن مؤسسة المُلك إلى جانبهم. وفي الواقع، لقد خدعواأنفسهم ولم يخدعهم أحد. في نهاية المطاف، لم يحدث شيء. الملك ملك لجميع الناس، وليس فقط، لليبراليينالعاجزين عن ربح معركة بأيديهم. وإذ لم تحدث توافقات كما كان ينبغي، فإن الملك أقر التوافقات كما يجب. كانتدرجة أفضل من الصفر، بيد أننا شعرنا بالصفر حقيقة.

إن مشكلتنا هي هذه: الليبراليون يعرفون الملك، لكنهم لا يفهمون أمير المؤمنين، وبعدها يتركون للحقائق الواقعية أنتستأسد. وإحدى هذه الحقائق هي أن صياح الليبراليين كان أكثر إحداثا للجلبة، لكنه ليس أكثر من مجرد لغو. لقدخسرنا المعركة عام 2015، لأن هؤلاء كانوا يعتقدون، بكل ثقة في النفس، بأنالعدويمكن هزمه بالصوت الهادرالصادر عن طبول الحرب فقط..

شارك برأيك

أيمن المرابطي

أرسل المقالة الى سجن العرجات وليس الى القراء

إضافة رد