«الأنجسوك» هي اللغة الجديدة! – اليوم 24

«الأنجسوك» هي اللغة الجديدة!

  • الديمقراطية في عيدها الأممي!

  • بنحمزة

    طريق الفيل والتنين وراعي البقر..

كثيرا ما شغلت العلاقة بين السلطة والصحافة مساحات مهمة من النقاش خاصة في مراحل الانتقال السياسي، لأن نقاش العلاقة، لا يمكن أن يتم بصورة طبيعية وموضوعية سوى في إطار مجال سياسي مفتوح نسبيا أو على الأقل أقل سلطوية، ذلك أن المراحل الانتقالية تقتضي بصورة طبيعية، وجود توتر بين الإعلامي المتعطش للحرية (ليس كل من ينتمي إلى الحقل الإعلامي يفعل ذلك بالضرورة) ، وبين السياسي كممثل للسلطة، والذي يرى في أحسن الأحوال، أن ذلك يجب أن يتم بالتدرج، وفي أسوئها أن يكون شكليا فقط…

العلاقة بين السلطة والصحافة من المفترض أن تحكمها القواعد التي تؤطر الممارسة الديمقراطية في أي بلد، وعلى هذا المستوى يمكن الحديث عن نماذج للسياسيين، وفي المقابل نماذج للصحافيين، ففي بيئة ديمقراطية تحفظ الحقوق والحريات وتنتصر للقانون، تكون العلاقة، علاقة توازن بمنطق السلطة تحد السلطة، وهي ليست بالضرورة علاقة صراع دائم، بل علاقة تلعب فيها الصحافة دورها في الإخبار وكشف الحقائق وتقديم المعطيات، خاصة السيئة التي يجتهد السياسي بأبعاده المختلفة في إخفائها، سواء لدواع سياسية أو فقط، لأنها تضعف الصورة التي يحاول تقديمها للحفاظ على الوضع القائم، وهنا بالضبط تساهم الصحافة في شفافية الحياة العامة التي تعتبر أساسية في أي نظام ديمقراطي، لهذا نجد السياسيين الديمقراطيين لا ينزعجون عادة من عمل الصحافة، بل يقدرون ذلك العمل.

في المقابل، فإن السياسي من واجبه، أيضا، تأطير مجال الحرية المرتبطة بحرية التفكير التي بدونها لا يمكن الحديث عن صحافة، وهذا التأطير يجب أن يتم عن طريق القانون والقضاء في احترام تام للقواعد التي تنظم ممارسة حرية الرأي والتعبير، فالإعلام أيضا سلطة، باعتباره سلطة رابعة، إلى جانب السلط الثلاث التقليدية، وحيث إن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، فإنه من الضروري وضع قواعد لهذه السلطة حتى لا تتحول عن أهدافها، وأن لا تصبح مجرد أداة في أيادي خارج صالات التحرير.

بالطبع، في أي بنية سلطوية مغلقة، لا يمكن الحديث سوى عن نموذج ممثل السلطة، الذي لا يرى في الصحافة سوى رجع صدى لمبادراته وخطاباته وقراراته.. حيث تصبح الصحافة كما «شاشة الرصد» في رواية «1984» لجورج أورويل، ترصد أنفاس الناس وتوجه لهم التعليمات والأوامر، وتنظم لهم مجالات التفكير، والتفكير هنا فقط من باب الحشو، لأنه في الأنظمة الشمولية ليس هناك مجال للفكر، بل التفكير في ذلك يعتبر جريمة وخيانة لا تغتفر، هكذا في ظل أنظمة سلطوية يكاد يكون الحديث عن علاقة بين السياسي والصحافي أمرا يدخل في دائرة العدم، لأن وجود الصحافي هو افتراضي فقط… باختصار، في مثل تلك الأنظمة يمكن الحديث عن نموذج «البرافدا» أو «الجمهورية» أو من على شاكلتهما.. جورج أرويل في الرواية المذكورة ذاتها، وبسخرية سوداء يتحدث عن اللجوء إلى استحداث لغة جديدة يسهل من خلالها التحكم في المفاهيم والمفردات وقدرتها على إنتاج المعنى ،بحيث يقول على لسان إحدى الشخصيات في الرواية: «ألا ترى أن الغاية النهائية للغة الجديدة هي التضييق من آفاق التفكير؟ بحيث تصبح جريمة الفكر في نهاية المطاف جرماً مستحيل الوقوع من الناحية النظرية، وذلك لأنه لن توجد كلمات يمكن للمرء من خلالها أن يرتكب هذه الجريمة. فكل مفهوم يحتاج إليه الناس سيتم التعبير عنه بكلمة واحدة محددة المعنى، وغير قابلة للتأويل، أما معانيها الفرعية فيتم طمسها حتى تصبح طي النسيان. إننا في الطبعة الحادية عشرة لن نكون بعيدين عن هذا الهدف. ولكن تلك العملية ستستمر على هذا المنوال إلى أمد حتى بعد رحيلنا أنا وأنت من هذا العالم، فالكلمات تتناقص عاما بعد عام، كما يتضاءل مدى الوعي والإدراك شيئا فشيئا. بل وحتى في الوقت الراهن ليس هنالك سبب أو عذر يبرر اقتراف جريمة الفكر. لقد باتت المسألة مجرد انضباط ذاتي وضبط يفرضه المرء على واقعه، وفي النهاية لن تكون هنالك حاجة حتى إلى ذلك. ستبلغ الثورة أوجها حينما تكتمل اللغة ويتم إتقانها. إن الأنجسوك هي اللغة الجديدة، واللغة الجديدة هي الأنجسوك». قال هذه العبارة وهو في غاية النشوة، ثم تابع قائلا: «هل خطر لك أبداً يا ونستون أنه مع حلول عام 2050 على أقصى حد، لن يتبقى على وجه الأرض إنسان يمكنه فهم حديث كهذا الذي تتبادله معاً الآن؟»، يبق

شارك برأيك