منير أبو المعالي يكتب.. الرسوم المتحركة – اليوم 24
منير-ابو-المعالي
  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: لا داعي للقلق من اليمين القومي

  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: هل قلت: تحالف تنموي!

  • منير أبو المعالي يكتب.. التجمع الوطني للقوات الشعبية

الرأي

منير أبو المعالي يكتب.. الرسوم المتحركة

هل يبدو لكم سعد الدين العثماني وهو يحمل مشرطه لتعديل جثة حكومته، وكأنه يعرف ماذا يفعل؟ نعم، ولا. «نعم»، لأن الرجل، وهو يقود تركيبة بشرية مثيرة للإحباط، يعرف بأن لمقدرته على فرض شروطه محدودة للغاية. و«لا»، لأن الرجل، وهو مسؤول حكومي على وعي بحدوده، لا يعرف ما سيقدم ولا ما سيؤخر.
العثماني مستمع جيد. تلك مهارة مكتسبة من سنين طويلة في عمله كطبيب نفسي.

لكن الإنصات وحده قد يتحول إلى دليل ضعف، عندما يصبح هو الوسيلة الوحيدة لعلاج «مرضى» مخادعين. وبين يدي العثماني الآن «صيادون» حقيقيون يقتنصون الفرص للانقضاض على الطبيب المعالج وكأنه لقمة سائغة. ليس بمستبعد إذن، أن يطرح إدريس لشكر نفسه وزيرا في صيغة محيّنة، لكنها غير منقّحة لميراثه في التلاعب. وليس ببعيد، كذلك، أن يجعل عزيز أخنوش من نفسه «مفاوضا فوق العادة» يمنح لذاته الحق في أن يكون هو «رئيس الحكومة»، وليس العثماني. في بعض المرات، الألقاب ليست هي الحقيقة.
لدينا حقائق موحلة أقدامها في هذه الأرض الزلقة، حيث يلعب العثماني بتروٍّ. والشروط التي جرى ترسيخها بعد 2016، وقد أدت إلى عزل بنكيران، لا يمكن إعادة التفاوض حولها في الوقت الحالي. على العثماني أن يقبل مصيره. إننا على معرفة مسبقة بدوره في كل هذه المعمعة المفتعلة حول «حكومة كفاءات»، وإذا ما حدث شيء من شأنه أن يبدل الملامح الخارجية لوجه هذه الجثة الشاحبة وقد سميت حكومة، فإن جوهرها لن يتغير.

وفي الواقع، فإن التعديل المزمع تنفيذه على هذه الحكومة، يشبه ما يفعله طبيب شرعي وهو بصدد تشريح جثة، أي فقط، البحث بداخلها عما يمكن أن يصلح لاستخدامه لاحقا في عمليات زرع مستقبلية. وغالبا ما يكون الهدف هو إنقاذ حيوات جديدة. ويستطيع العثماني إن كان يلقي بالا لمثل هذه التشبيهات، أن يحدد وظيفته بشكل أدق بعد الآن، وهي دون شك، تصور مستقبله هو كما مستقبل حزبه في السنتين المقبلتين. وعدا ذلك، فإن لا أحد تقريبا سيهتم بما يحدث الآن.

يتصرف الزعماء السياسيون في البلاد – إن جاز وصفهم بذلك- وكأنهم يقومون بأعمال نبيلة. التعديل الحكومي، وقد طلبه الملك نفسه على سبيل التوبيخ، ليس عملا بطوليا. إن الجهد الوحيد المبذول من لدن هؤلاء هو رفع السكين، ثم قطع الكعكة إلى أجزاء. بيد أن بعضهم لا يكفيه سكين، بل يحمل منشارا، بينما آخرون يستعملون الأسلاك الشائكة لبتر حصصهم بطريقة مثيرة للقرف.

من الطبيعي أن يتصرف الصيادون بطريقة وحشية، والعثماني يبدو مثل حيوان أليف، أو لنكن أكثر تفاؤلا: إنه مثل مصور في البراري يملك بعض العاطفة، لكنه باسم قواعد عامة، لا يستطيع أن يتدخل ليحدد مصير الأطراف، وكل ما يمكن فعله، هو أن يتخذ لنفسه مكان محميا بشكل أفضل كي لا يتحول هو، أيضا، إلى فريسة.

لشكر على سبيل المثال، ونقدمه أولا، باعتباره الأكثر ضراوة، يشبه أسلوبه في عالم الحيوان ضبعا يترصد حيوانا ضارا آخر يقوم بالفتك بفريسته، ثم يتقدم إليه بخطة واحدة: طرده، ثم الاستيلاء على الضحية. وفقا لأفضل المعادلات السياسية، ليس هناك مكان لحزب الاتحاد الاشتراكي في المفاوضات الجارية، لكن، وقد تغيرت القواعد، أو قُلِبت رأسا على عقب، منذ أن أصبح هو شرطا لتأسيسها عام 2016، فإن الدور المطلوب من لشكر هو أن يتصرف وكأن حزبه هو رأس الحربة. مسنودا بكفيله، التجمع الوطني للأحرار، يحق لهذا الرجل أن يفعل ما يشاء، وأن يُحوّل تعديلا إلى صيد جماعي.

في هذا الصيد الجماعي، يتقدم عادة لشكر لتفحص الفريسة المحتملة، ثم تحديد الخطة المناسبة لتحييدها. وبعدها يأتي دور أخنوش، أي توجيه الضربة القاتلة. يبدو أن حزب التقدم والاشتراكية سيكون هدفا سهلا، وكأنه صغير فيل، وقد نجحا في إبعاد أمه عنه. تصلح هذه التشبيهات المستوردة من عالم الحيوان كي تكون، أيضا، رسوما كاريكاتورية. إن الواقع البشري يمكن قياسه بما يحدث في البراري عندما تُذبح النزاهة على محراب السياسة.
لكن الدرس يبقى هو: إن ما يفعله هؤلاء ليس مهما، ولا يقود إلى أي تغيير. في وعي الناس، ما تزال هذه الكتيبة من الوجوه مجرد رسوم متحركة، وقد زادها النفور تلك الوحشة في النفوس. يمكنهم غلّ الناس من أعناقهم بالسلاسل واقتيادهم إلى صناديق الاقتراع بعد عامين، لكنهم لا يستطيعون تكهن النتيجة النهائية رغم ذلك.
التعديل الحكومي، وقد غذته المؤسسة الملكية بفكرة نبيلة، سيصبح مجرد لقطات مؤسية من برنامج حيوان. ولعمري، إن دور هؤلاء ليس أكثر من تحويل المياه الجارية إلى برك آسنة تتجمع بين بعضها بعض قبل أن تصبح واديا هادرا.

شارك برأيك