الجرس قبل الطبل – اليوم 24

الجرس قبل الطبل

  • وزير «الأمل»

  • البوصلةُ أوَّلاً

ليس الجوع أخطر شيء سيصيب الناس ولا الموت.. الشيء الأخطر هو تغير طريقة التفكير وكراهية الوطن واليأس منه، والإحساس بالاحتقار والدونية، والتخلي فجأة عن مشاعر إنسانية مهمة مثل الوطنية والتطوع والتعاون والتضامن. لأنه إذا اجتمع الفقر بفقد الثقة، فإنهما يخلقان مع الوقت مجتمعات مريضة، ونمطا جديدا من العلاقات الاجتماعية المعقدة.

مؤخرا، ذاع بشكل كبير صيت الأغاني التي يرددها الشباب المغربي، في مدرجات الملاعب الوطنية، مع مختلف فصائل الألتراس، والتي  أثارت مجموعة من المواضيع التي تؤرق بال المواطن المغربي من قبيل الفقر، والفساد، والبطالة، والهجرة السرية، والإدمان، وفساد الإعلام، وتردي خدمات قطاعات الصحة والتعليم وغيرها من المواضيع. وهو الأمر الذي يمكن تفسيره بكون أن شباب ما بعد السابع من أكتوبر 2016، أصبحوا يعيشون في حالة يأس وتيه وانعدام ثقة. خاصة بعدما وجدوا أن السياسة بدأت تفقد شغفها، واكتشفوا بأن أصوات المغاربة المعبر عنها خلال آخر انتخابات برلمانية لم تُحترم بالشكل المطلوب من قبل مختلف الفرقاء.

كما أن شعورهم بالمسؤولية تجاه أنفسهم وأهاليهم، جعل بعضهم يقررون ركوب قوارب الموت نحو الضفة الأخرى على أمل صناعة المستقبل بعيدا عن «الصناعة التقليدية» لواقع معاش متحكم فيه من طرف من لا يحب مصطلحات من قبيل: «الحرية والديمقراطية والإرادة الشعبية والعدل»… فالآباء لا حيلة لديهم.. والأمهات في الخلف متعاطفات يحاولن أن يعوضن كل هذا النقص والعجز العائلي، بكنس أرضية البيت المكترى مرات عديدة في اليوم الواحد.. ففي الأوساط الفقيرة، تشعر الأم وكأنها أيضا لا قيمة لها في حل مشاكل الأسرة…

قبل أيام قليلة، لقي ثلاثة شبان مغاربة ينحدرون من ضواحي إقليم تاوريرت، شرق المغرب، مصرعهم، عندما كانوا يحاولون الهجرة نحو إسبانيا بحرا بطريقة غير نظامية، محملين باليأس المخلوط بالأمل في الوصول إلى «جنة الأرض» هناك بأوروبا، هربا من البطالة والفقر و»الحگرة» التي ترقبها أعينهم ويتحسسونها في جيوبهم، وجيوب أهاليهم البؤساء، إثر غرق قاربهم المطاطي بسواحل الجزائر، في حين لايزال البحث جاريا من قبل السلطات الجزائرية عن 5 مفقودين آخرين كانوا ضمن المجموعة التي كانت على متن القارب الغارق.

يأتي هذا الأمر، بعدما ظننا أن الهجرة السرية للشباب المغاربة نحو دول أوروبا قد انتهت وولت، وأصبحت مجرد حكايات من ماض بئيس، عنوانه قلة ذات اليد وذل الفقر ومرارة الحگرة…

إن هرب هؤلاء الشباب على متن قوارب الموت، ليس هدفه الحصول على المال والترف فحسب، بل هو هروب من يخشى عيش نفس مصير من اختاروا الدفاع عن الاختيار الديمقراطي وأدوا ثمن ذلك.. هروب من حاول إثارة الانتباه، فوجد أن الآذان تصغي لأصوات التطبيل أكثر من قرع الأجراس ونواقيس الخطر.. ثم قرر أن يغادر…

إنه هروب من يرى أن بقاءه رهين برفع صوته «المزعج» للمطالبة بحقوقه، في وجه المسؤولين، خاصة المتخاذلين منهم.. إنه ليس انتحارا.. إنه محض تحدٍّ للموت قصد التشبث بالحياة…

ففي البلدان المتقدمة، البؤس و»الحݣرة» حالة فردية تواجهها مؤسسات، أما عندنا، فهي حالة جماعية ومؤسساتية يواجهها أفراد قلائل تبدو مجهوداتهم كمن يقدم حذاء لرجل قد فقد رجليه…

شارك برأيك