منير أبو المعالي يكتب.. التجمع الوطني للقوات الشعبية – اليوم 24

منير أبو المعالي يكتب.. التجمع الوطني للقوات الشعبية

  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: تفاهة السياسة

  • منير-ابو-المعالي

    “منير أبو المعالي” يكتب: على شفا جرف هار

29 أكتوبر، تاريخ مشين في ذاكرة اليسار المغربي. لم يؤسَّس فيه حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (6 شتنبر 1959)، ولم يتولد عنه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (10 يناير 1975). 29 أكتوبر تاريخ لوقوع جريمة سجلت في الأرشيف الجنائي ضد مجهول. لكن الضحية لم يكن نكرة. في عام 1965 -وكان إدريس لشكر حينها فتى في عامه التاسع- سيُختطف المهدي بنبركة، ويساق إلى مصيره. كان بنبركة -ولايزال- ذَا شأن بالنسبة إلى اليساريين المتطلعين إلى رؤية تغيير راديكالي في البلاد، ومصيره ذو قيمة هائلة بالنسبة إلى أولئك المتشككين في مسار ومآل الانتقالات في المغرب.

تلخص قصة بنبركة تلك الأحجية في علم الإجرام؛ حيث لا جريمة قتل دون جثة. لكنها أيضا تنطوي على أثرها الإنساني، حيث لا حقيقة للموت دون قبر وشاهد.

في حساب لشكر، هناك حسنة صغيرة؛ القبور تقلب المواجع فحسب. لقد قرر أن يتوقف عن تحويل الموت إلى رصيد في تاريخ حزبه، ونأى، تحت هذه الفكرة المغامرة، عن زيارة المقابر، وأيضا عن المشي في الجنائز. وأولئك الذين ورث موتهم قبل أن «يحتل» مقر حزبه في العرعار، وجد لهم حلا تنظيميا؛ إعادة تنسيق أروقة المقر. صورة بنبركة كانت هي الضحية الأولى، وقد أزيحت إلى الخلف، تحت درج في البهو الرئيس عند مدخل المقر.

لكن إدريس لديه ميل إلى تلويث سجل حسناته الصغيرة سريعا. هناك فرق بين أن تزيح الصور من القاعات، وبين أن تمسحها من وعي الناس. ظلت طبقة من الاتحاديين تغضب كل مرة تتذكر فيها ذلك. فأن تجرد حزبا من ذاكرته، معناه أن تجرده من قيمه. الاتحاديون المحيطون بإدريس الآن، لا يتذكرون قيم المؤسسين، فهم لا يعرفونهم، ولشكر يظهر تصميما على أن يعرفوه هو أكثر من أي أحد آخر. لمَ، إذن، لا ينتقل إلى الخطوة التالية؛ تشويه تاريخ 29 أكتوبر نفسه.

بوصفه سياسيا حذقا، فقد قرر أن يتلاعب بالتواريخ كما المشاعر. في عزلته الكئيبة، فطن لشكر إلى خدعة ماكرة؛ أن «يسرق» ذكرى التأسيس الستين لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية -وهو حزب مازال قائما حتى اليوم ولديه أمينه العام وأوراق ثبوته القانونية- ثم يخترع لها يوما غير تاريخها الرسمي. باستعماله تاريخ 29 أكتوبر، فهو يخطط لضرب عصفور واحد بحجر كبير؛ أن يدفع جيل مؤسسي حزب الاتحاد الاشتراكي إلى زاوية الشعور بالحرج، إن لم يقبلوا يده الممدودة إليهم في يوم مشحون بالمعاني. هذه هي مشكلته الوحيدة؛ إن أولئك الذين لا يرغبون، بأي شكل من الأشكال، في أن تربط بينهم صلة بإدريس، سيولد لديهم الإحساس بأن غيابهم عن حفل ذكرى تأسيس حزب في تاريخ مثل 29 أكتوبر، سيفسر غالبا بأنه «خيانة» لذكرى شهيد. حتى أولئك الذين لم يعرفوا الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ستملأ مشاعر الفزع قلوبهم من هذا التفسير المحتمل.

لكن الرياح لا تنفع السفن إن كانت دون شراع، وتحليل إدريس يشبه ذلك بدقة. لقد قرر كل هؤلاء أن يتغيبوا. لا يمكن أن يبتزهم شخص لا يملك شيئا ضدهم سوى تاريخ ذكرى مصطنعة. لقد تَرَكُوا لشكر وحيدا، دون ذلك الطابور الباهر لشخصيات صنعت الماضي، ودون مصالحة. بقي له أن يملأ الفراغ فحسب؛ محتفيا بعبد الواحد الراضي، الرجل الذي وقع، وهو وزير للعدل، على اتفاقات عدم استجواب أو تسليم أي مشتبه في ارتكابهم جرائم ذات طبيعة سياسية، بين السلطتين المغربية والفرنسية. يا لها من مفارقة! في يوم ذكرى جريمة سياسية، عانت سلطات التحقيق الفرنسية كثيرا للوصول إلى عناوين شهود مغاربة بارزين، قد يسهمون في تحديد ما حدث بالضبط، لأن السلطات المغربية لم تتعاون البتة في ذلك. كانت تلك هي العلامة الكاملة على خسارة الرهان.

تحول حفل ذكرى تأسيس حزب، لم تسجل ملكيته القانونية باسم إدريس، إلى ما يمكن تسميته بـNon event؛ مجرد عرض مسرحي لفرق موسيقية مثيرة للملل. حفل مسكون بالغياب، لا بالحضور. يمكنكم الاطلاع على حجم الذهول الموجود في مواد الصحافيين حول الحفل؛ لقد كانوا مجبرين على القيام بمجهود جبار للتعرف على الوجوه وإحصاء المتغيبين.

لم تنفع حيل لشكر في شيء. لكنه، رغم ذلك، لا تعوزه الوسيلة للتذكير بمهمته الرئيسة. في حفل ذكرى التأسيس، وقد تحول إلى مجرد تنسيق للرقصات في مسرح محمد الخامس، كان عليه أن يلقي خطابا. هذه فرصة مناسبة لا ينبغي تفويتها لتسفيه 29 أكتوبر مرة أخرى. لأزيد من نصف ساعة، لم يشر إدريس إلى بنبركة سوى مرة واحدة، وهو يتلو أسماء قادة الحزب في تاريخه بشكل مبعثر. ثم تابع ما كان يريد أن يقوله؛ التبشير بحزب يزداد قوة مستقبلا، أي ذلك الهذيان المعتاد. كان يتلو خطابه وفي الصف الأمامي سلسلة من الشخصيات المحافظة، أو ذوي اليمين، ليبراليا كان أم إداريا. لم يكن هناك يساري واحد. والطبع، من الضروري أن يؤثث هذا المشهد باسمين «لامعين»؛ خالد عليوة، المنفلت من قاضي التحقيق في جرائم الأموال، وعبد المولى عبد المومني، المطرود على ذمة اختلالات في المال من تعاضدية الموظفين.

في الواقع، لم يختلف حفل ذكرى تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية -الذي لم ينخرط إدريس فيه يوما- عن تلك التجمعات الروتينية لحزب التجمع الوطني للأحرار، حيث يصبح للأعداد تأثير أبلغ من الطريقة التي جرى بها تجميعها. لكن الحشود ليست سوى وميض لشيء حارق آت من بعيد. تتذكرون حشده في مركب مولاي عبد الله بالرباط عام 2015.. كانت النتيجة الموالية في الصندوق الانتخابي عبارة عن صدمة موجعة.

كان مُهما بالنسبة إلى إدريس أن يجتمع الناس، وإذا غاب من كان جديرا بالحضور، فلا ضير في أن يؤتى بأي شخص آخر. لقد جُمع المئات من الشبان في مركب بوزنيقة، ونُقلوا عبر حافلات إلى الرباط لملء الأرجاء. لقد كان الهم الأساس هو أن يلتقطوا الصور لا غير. لقد تغير الاتحاد الاشتراكي بالفعل، وقد بات يفكر ويتصرف مثل حزب التجمع الوطني للأحرار.

لقد أحس الكثيرون بأن «روحا» ما حلقت عاليا في أرجاء مسرح محمد الخامس تلك الليلة، لكنها ليست روح بنبركة نفسه، ولا روح الاتحاد الاشتراكي، ودون شك، ليست روح القوات الشعبية.

شارك برأيك

مصطفى

انت وغيرك عايشين فالماضي وعلى الماضي
ونشبر الرجلين فلفهاوي
ونشر الشؤم والبؤس

إضافة رد
الدكتور الحسن المريني ـ باريز

المهدي قتله النظام لطمس تاريخ و نضال الرجل والنظام معا أما عمر فلم يقتله النظام بل قتله أولئك الذين يدعون اليوم أنهم “النضال” و “نظافة اليد ” …

إضافة رد